تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
الإنسان - وهو بالذات ما تتعهد به دعوة إحياء الدين في قيامها على استعادة التحرير والتنوير - فقد لزم أن يكون من يتصدى لهذه الدعوة بالمخاصمة أو المناهضة آتيا بأنكر المنكرات ، كما لزم أن يكون التغيير لهذا المنكر أوجب الواجبات .

3 . 2 . نتائج مبادئ رفع المحاصرة

فلننظر الآن كيف أن تطبيق هذه المبادئ الثلاثة لتغيير المنكر يفضي إلى معرفة الطريق الصحيح الذي يوصّل إلى رفع المحاصرة عن دعوة العودة إلى الإسلام بأشكالها الثلاثة . إذا أخذنا بالمبدأ الثاني - أي مبدأ ترتيب التغيير - في الحكم على مواجهة الداعية الإحيائي للحصار الخارجي الذي يتعرض له ، وجدنا أنه لا يستطيع أن يغيره بيده ، وإلا ما كان ليبقى متحملا لضرره أمدا طويلا ؛ ولا هو يستطيع أن يغيره بلسانه ، وذلك لاحتمال أن يكون أخوه ، هو أيضا ، محاصرا له أو متواطئا مع عدوه الخارجي ، فلا يعينه على هذا التغيير باللسان لكي يكون نافذا ، هذا إن لم يواجهه بتغيير مضاد - ما دام يحق له أن يكون داعية مثله - يجد فيه العدو سندا لمواصلة حصاره الخارجي له ، بل قد يجد فيه دعوة إلى التشدد والتمادي فيه ؛ فإذن كل ما يستطيعه الداعية الإحيائي هو أن يغير المحاصرة الخارجية بقلبه ، أي أن يدوم على نية رفعه . أما إذا نحن أخذنا بنفس المبدإ في الحكم على مواجهة الداعية للحصار الداخلي الذي يتعرض له ، وجدنا أن الداعية لا يستطيع أن يغيره بيده لمباركة العدو لهذه المحاصرة واستعداده للتدخل فيه أو لاحتمال وقوع الفتنة بين المسلمين ؛ فعندئذ ، كل ما يستطيعه الداعية الإحيائي هو أن يغيره بلسانه ، أي أن يطلب تغييره في المستقبل . يترتب على هذا أن الداعية الإحيائي لا يستطيع أن يغير بيده إلا المحاصرة الذاتية ، أي حصاره لنفسه . وإذا أخذنا بالمبدأ الثالث الذي يتضمنه حديث التغيير - أي مبدأ تقديم العمل بالتغيير الأقوى - في الحكم على هذه المواجهة لأنواع المحاصرة ، فيلزم الداعية تقديم رفع حصاره لنفسه على رفع حصار أخيه له ، وبالأحرى رفع حصار الأجنبي ، ما دامت قدرته على حصاره لنفسه تفوق قدرته على ما سواه ، ومقامه فيه هو مقام التغيير باليد بموجب المبدإ الثاني ، كما يلزمه تقديم رفع حصار أخيه على رفع
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 182 | طه عبد الرحمن