أ . التغيير باليد : المراد به في تأويل الجمهور هو : " أن تستعمل القوة والبطش في تغيير المنكر " على وجه الخصوص ، ونرى أنه يجوز حمله أيضا على مدلول أوسع ، وهو : " أن تحدث التغيير الذي يكون في يدك " ، بمعنى أن تقوم بالتغيير الذي تملك أسبابه في الحال .
ب . التغيير باللسان : المقصود به في تأويل الجمهور هو : " أن تحثّ على الرد والرفض " على وجه الخصوص ، ويجوز حمله كذلك على مدلول أعم ، وهو : " أن تعمل على أن يصير التغيير في يدك " ، بمعنى أن تطلب أسباب التغيير في الاستقبال متى لم تملكها في الحال .
ج . التغيير بالقلب : المراد به في تأويل الجمهور هو : " أن تضمر السخط والاستنكار " على وجه الخصوص ، ويجوز حمله أيضا على مدلول أشمل ، وهو :
" أن تدوم على نية أن يصبح التغيير في يدك " ، بمعنى أن تحفظ في نفسك نية الظفر بأسباب التغيير متى لم تملكها في الحال ولا في المستقبل المنظور لك .
وبعد توسيعنا لمفهوم كل شكل من أشكال تغيير المنكر الثلاثة ووصلنا بعضها ببعض ، نستنبط من هذا التأويل الأعم للحديث الشريف مقتضى المبدأين الأخيرين ، وهما : " مبدأ ترتيب التغيير " و " مبدأ تقديم العمل بالتغيير الأقوى " .
أما مبدأ تغيير الترتيب ، فمقتضاه أن هذه الأشكال الثلاثة من التغيير ليست أقساما متباينة ، وإنما هي مراتب متفاوتة ؛ فالتغيير باليد ينزل أعلى الرّتب ، يليه التغيير بالقول ، فالتغيير بالقلب ، بحيث يكون التغيير الأدنى لازما من التغيير الأعلى من غير أن يصح العكس ، أي أن التغيير باليد تغيير باللسان وأن التغيير باللسان تغيير بالقلب ، فيكون التغيير باليد تغييرا بالقلب ؛ فحينئذ ، يتضح من تأويلنا الموسّع للحديث أن نية تحصيل أسباب التغيير محفوظة في جميع مراتب التغيير المذكورة .
وأما مبدأ تقديم العمل بالتغيير الأقوى ، فمقتضاه أن العمل بهذه الأشكال الثلاثة من تغيير المنكر ليس من باب التحكم أو الاختيار ، وإنما هو من باب الترجيح أو الاضطرار ؛ فالتغيير باليد أولى من التغيير باللسان ، ولا يصار إلى التغيير باللسان إلا إذا تعذر التغيير باليد كما أن التغيير باللسان أولى من التغيير بالقلب ، ولا يصار إلى التغيير بالقلب إلا إذا تعذر التغيير باللسان .
ومتى علمنا أنه لا منكر شرّ من قطع الإنسان عن ربه وقطعه عن أخيه الإنسان ، وأنه لا معروف ، على العكس من ذلك ، خير من وصل الإنسان بربه ووصله بأخيه
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 181
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٨١