الإحيائي أن يتحقق ب " التخلق " ، حتى إذا تعاطى للسياسة ، قصدا أو عرضا ، أو خرج إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يكون ذلك إلا بنية إصلاح الأخلاق لكي تكمل إنسانية المدعو ، ولا يخشى عليه أبدا الخروج بدعوته إلى طلب السلطة لنفسه ومنازعة الحكام والزعماء في نفوذهم .
ومعنى هذا أن وصف التنور الرباني الذي يدعو إليه الداعية الإحيائي يكون قائما به هو نفسه ؛ فمتى تحقق هذا الداعية بتمام التخلق ، فإنه يكون قد تحقق بتنوير نفسه بما ينفع سلوكه .
ولا يخفى كذلك أن التسديد يقتضي منه النهوض بواجبين ، أحدهما ، أن يحصّل تمام الاشتغال بحقوق الخالق دون التفات إلى غرض أو طلب عوض ؛ والثاني ، أن يمكّن المدعو من الأسباب العملية للشريعة في شمولها لكل الحركات الإنسانية بما في ذلك حركة القول ؛ أو قل بإيجاز إن التسديد يوجب على الداعية أن يتحقّق ب " العمل " ، حتى إذا اندفع في القول ، قصدا أو عرضا ، فلا يكون ذلك إلا بنية التقوية على العمل لكي يكمل إيمان المدعو ، ولا يخشى عليه أبدا الخروج بدعوته إلى الكلام الذي ليس تحته عمل .
ومعنى هذا أن وصف التحرر الرباني الذي يدعو إليه الداعية الإحيائي يكون قائما به هو نفسه ؛ فمتى تحقق هذا الداعية بتمام العمل ، فإنه يكون قد تحقق بتحرير نفسه من كل ما يضر عقله .
وإذا اجتمع للداعية الوصفان : " التخلق " و " العمل " ، فقد اجتمع له المقتضى التنويري والمقتضى التحريري اللازمين لإخراجه من المحاصرة التي أوقعها بنفسه .
3 . 2 . 2 . رفع المحاصرة الداخلية : متى خرج الداعية الإحيائي من حصاره الذاتي ، قامت بينه وبين أخيه أسباب التنوير والتحرير التي ترفع عنه المحاصرة الثانية ، وهو حصار أخيه له ، مع العلم بأنه هو الآخر يتمتع بحق الدعوة إلى بعث الإسلام .
أما سبب التنوير الذي ينشأ بينهما والذي يولّده تخلق الداعية فهو جلب ثقة أخيه به واطمئنانه إليه ، ذلك أن تيقن الداعية من تخلّق أخيه يجعله لا يخشى من مزاحمته لنفوذه ، ولا يرى في دعوته تهديدا لسلطانه ، فلا يجد الحاجة إلى الاستظهار بقوة غيره عليه ، أخا أو عدوا ، ولا إلى التضييق عليه بما أوتي من قوة من عنده .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 184
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٨٤