وأما سبب التحرير الذي يقوم بينهما والذي يولّده عمل الداعية فهو جلب التعاون مع أخيه والاستعانة به ، ذلك أن ظهور ثمرات العمل على يد الداعية يجعل أخاه يتطلع إلى أن يتشبه به ، حتى ينتفع بما انتفع به من الثمرات ؛ ولا يلبث أن يدرك أن الانتفاع لا بد وأن يتضاعف حجمه لو أن عمله يزدوج بعمله وأن مصلحة المسلمين توجب عليه السعي إلى مضاعفة هذا الانتفاع ، فيأخذ على التدريج في فتح مسالك التعاون بينه وبين أخيه .
3 . 2 . 3 . رفع المحاصرة الخارجية : متى تخلص الداعية الإحيائي من حصار أخيه ، بعودة الثقة به واستئناف التعاون معه ، فإنه يصير مهيئا لأن يتعاطى رفع الحصار الأشد الذي يتعرض له ، ألا وهو المحاصرة الخارجية !
فلما كان رسوخ الثقة بين الدعاة ، عامّتهم وخاصتهم ، سببا تنويريا ربانيا ، فإنه يؤدي إلى توحيد الصف ، مما يقطع على العدو طريق تأليب بعضهم على بعض ، استضعافا لشأنهم وتفريقا لشملهم ، حتى يتمكن من عرض خدماته عليهم في فض نزعاتهم ، ساعيا بذلك إلى تعضيد حصاره الخارجي بحصار داخلي يتولاه هذه المرة أخ الداعية نفسه .
ولما كان حصول التعاون بين الدعاة ، عامتهم وخاصتهم ، سببا تحريريا ربانيا ، فإنه يؤدي إلى تحقيق الاكتفاء ، مما يقطع على العدو طريق تحويجهم إليه في جلب المنافع ودفع المضار ، استتباعا لاقتصادهم واستنزافا لخيراتهم ، حتى يتمكن من فرض توسطه بينهم في قضاء حاجاتهم ، ساعيا بذلك إلى إضعاف وجودهم ومحو قيمهم .
ومتى انقطع عن العدو سبيل تأليب الدعاة بعضهم على بعض بفضل ما يحصلونه من تنوير في أفهامهم وانقطع عنه سبيل تحويجهم إليه بفضل ما يحصّلونه من تحرير في معاملاتهم ، فلا بد أن يتهاوى ما أقامه من حصار على بعضهم وأن تخيب آماله في أن يمنع انتشار رسالتهم الربانية بين أفراد الإنسانية قاطبة ، تنويرا وتحريرا .
وحاصل الكلام في الدعوة إلى عودة الإسلام أنها عمل تنويري تحريري عام محاصر من الداخل ومن الذات كما هو محاصر من الخارج ، ولا طريق إلى رفع هذه المحاصرة المثلّثة إلا بالتوسل بالأسباب التنويرية والتحريرية التي تنبني عليها
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 185
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٨٥