تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
النافع ، ولا يستقيم له ذلك إلا إذا تقيّد على الدوام بطلب المقاصد العملية والآجلة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية ، متعاطيا بناء المقاصد النظرية والعاجلة عليها ، وهو ما أسميناه ب " العقل المسدد " في مقابل " العقل المجرد " ؛ وعلى هذا ، فإن الداعية الذي ينتقل إلى التوسل بطريق التجريد المستعار يضيّق أفق الدعوة الإسلامية بما لا مزيد عليه ، إن لم يخرج بها إلى نقيض مقصودها ، ويكون حال الداعية الذي يطمع في الجمع بين المقتضى التحريري لهذه الدعوة الإحيائية ومقتضى العقل التجريدي كحال من يطمع في الجمع بين النقيضين مثله في ذلك مثل من يجمع بين هذه الدعوة والتسييس .

3 - سبل رفع المحاصرة عن الدعوة إلى عودة الإسلام

إذا عرف المسلم أن المحاصرة المضروبة على دعوة العدوة إلى الإسلام هي في الحقيقة محاصرات ثلاث : " محاصرة خارجية " ، أي حصار غير الداعية للداعية ، و " محاصرة داخلية " ، أي حصار الداعية للداعية ، و " محاصرة ذاتية " ، أي حصار الداعية لنفسه ، فقد وجب عليه أن يطلب بأقصى طاقته السبل الكفيلة لدفع هذه المحاصرات المختلفة ؛ وإذا ما تأملنا قليلا في هذه السبل ، وجدنا أن بعضها أقدر من غيرها على التصدي لهذه المحاصرة المثلّثة ، وهي تلك التي تستند إلى مبادئ نسميها " مبادئ رفع المحاصرة " ، وهي : " مبدأ تصديق الفعل للقول " و " مبدأ ترتيب التغيير " و " مبدأ تقديم العمل بالتغيير الأقوى " .

3 . 1 . مقتضيات مبادئ رفع المحاصرة

أما " مبدأ تصديق الفعل للقول " ، فمقتضاه أنه ينبغي للداعية إلى إحياء الإسلام أن تقوم به هو ذاته نفس الصفات الإسلامية التي يتصدر لدعوة غيره إليها ؛ إذ بفضل هذا الاتصاف ، تصير وسيلة الداعية موافقة لمقصده ، وفي هذه الموافقة استدرار للعون الإلهي ، تسديدا وتأييدا . وأما المبدآن الآخران ، وهما : " مبدأ ترتيب التغيير " و " مبدأ تقديم العمل بالتغيير الأقوى " ، فنستنبطهما من حديث التغيير الشهير ، وهو : " من رأى منكم منكرا ، فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " « 4 » ؛ فواضح أن هذا الحديث ينص على أشكال ثلاثة من تغيير المنكر ؛ وهي الآتية :
هامش
( 4 ) جاء هذا الحديث عند مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده وغيرهما .