تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
يد بعض الدعاة من طابعها التنويري الرباني القائم في تربية المدعو على المعاني الأخلاقية التي تقرّبه من أخيه وعلى المسالك العملية التي تقربه من ربه إلى طابع تنويري وتحريري غير رباني مبناه " التسيس " الصريح طبقا لمقتضاه في هذه الثقافات الأجنبية العلمانية ، وذلك بحجة نهوضهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ والواقع أن هذا التسييس المجلوب يقتل في النفس القيم الروحية التي ترفع الهمة ويستبدل مكانها قيما مادية لا مطمع في الآخرة من ورائها ، لأن الأصل فيه هو الالتفات عن الإيمان وإخراج الآجل من الحسبان ، في حين أن حقيقة الدعوة إلى رجوع الإسلام ينبغي أن تقوم في تبصير المدعو بما نسيه أو تناساه من معان ربانية تزيد في أخلاقيته وتعلو بإنسانيته ، فيكون مبناها إذن على " التأنيس " ، لا على التسييس . وعلى هذا ، فإن الداعية الذي ينتقل إلى التوسل في عمله بطريق التسييس المقتبس من جماعات غير متدينة يضيّق أفق دعوة الإحياء الإسلامي بما لا مزيد عليه ، إن لم يخرج بها إلى نقيض مقصودها ، ويكون حال الداعية الذي يطمع في الجمع بين المقتضى التنويري الروحي للدعوة ومقتضى التسييس المادي كحال من يطمع في الجمع بين النقيضين ؛ وما درى هذا الداعية أن السياسة التي يجوز أن توافق الدين لا تكون إلا السياسة الأخلاقية لإصلاح فئات المجتمع ، وليست السياسة اللاأخلاقية لحيازة السلطة ! والثاني ، العقلانية التجريدية ، لمّا كانت المجتمعات الغربية الحديثة تزهو بعلومها الدقيقة وبتقنياته المتطورة وتنسبها إلى علو كعبها في تحرير العقل الإنساني ، فقد ظن الداعية أن تقليد الغرب في هذا الأسلوب التحريري يفضي إلى النهوض بوضع المسلمين ، وما درى هذا الداعية أن العقلانية ليست ضربا واحدا ، وإنما هي عقلانيات كثيرة ، وأن ما عرفه الغرب منها يقف عند حد الأخذ بأدناها وهو ما سميناه ب " العقل المجرد " « 3 » ! ومن خصائص هذا العقل أنه ، أولا ، عقل يقدّم النظر على العمل ، إن لم يأخذ بالنظر ويترك العمل ، وأنه ، ثانيا ، عقل يطلب العلم لذاته ، لا لما يثمره من المنافع ، وأنه ، ثالثا ، عقل يقتصر على العلم بظاهر الأشياء وعاجلها ، ولا يتطلع أبدا إلى العلم بباطنها أو آجلها ؛ ولذا ، فالعقل المجرد قد يورّث النظر الضال كما قد يورث العلم الضار . أما العقل الذي يتوسل به المسلم ، فينبغي أن لا يكسبه إلا النظر الهادي والعلم
هامش
( 3 ) انظر تفاصيل هذا الموضوع في الفصل الثاني من هذا الكتاب .