تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الرغبة الشديدة في كل ما نسب إلى الحداثة الغربية ، إن خيرا أو شرا ، من غير أن تجد الحاجة إلى أن تتبين حقيقة هذه النسبة . ثم مضى يبث في الناس أن قيم الإسلام هي أشد القيم مخالفة لقيم الحضارة الغربية ؛ وإذا صح هذا ، صح معه أيضا أن انبعاث هذه القيم من جديد مع تحرر الشعوب الإسلامية ومع تطلع بعضها إلى فرض خصوصيته ، لا بد وأن يضر أشد الضرر بأهداف هذه الحضارة ، توسعا في الآفاق ووضعا للقيم الكونية ، ولا سيما أن النظام القيمي للحضارة الغربية انفرد ، بعد انتهاء الصراع الإيديولوجي بين أطراف هذه الحضارة غير الإسلامية ، بتمام الهيمنة والتأثير على الصعيد العالمي . وهكذا ، فلما بلغ الغرب مراده في ترسيخ الاعتقاد بأن الدعوة إلى رجوع الإسلام إرهاب صريح وأن ما تدعو إليه خطر محدق ، فقد استطاع أن يضرب على الدعاة حصارا ليس أضر منه بدورهم في استعادة التنوير والتحرير ، ولا أذل منه لمكانة المسلمين بين الأمم . ويكفي أن نذكر من مظاهر هذا الإضرار والإذلال ما يتعرض له الداعية المسلم في البلاد الأجنبية من ضروب الحد لأقواله وأفعاله ، إن إغلاقا لمراكز الدعوة أو منعا للتجمعات بها أو تضييقا لاتصالاته أو تقييدا لتنقلاته أو مراقبة لحركته أو تتبعا لآثاره ، وكذا ما يتعرض له من ضروب الأذى لشخصه ، فقد يودع السجن أو تقام عليه الحراسة أو تحاك له المؤامرات أو يدّخر للمحاكمة في المناسبات أو يكون موضع مساومة مع حكومات وطنه .

2 . 2 - المحاصرة الداخلية

ليس المقصود ب " المحاصرة الداخلية " محاصرة الأنظمة الداخلية الحاكمة لدعاة الرجوع إلى الإسلام فحسب ، بل أيضا كل أنواع المحاصرة التي تمارسها عليهم مختلف التكتلات الموجودة في أوطانهم والتي تناهض ، سرّا أو علنا ، طوعا أو كرها ، مثل هذه الرجوع الديني ، بين أحزاب وجمعيات ومنظمات وجماعات ؛ فليس الداعية إلى عودة أخلاق الإسلام طليق الكلمة ولا واسع الحركة ولا مفتوح المجال ولا ممنوح الفرصة في كل أقطار البلاد الإسلامية ، إن لم يبلغ التضييق عليه في بعضها من لدن هذا النظام أو ذاك أو من لدن هذا التنظيم أو ذاك مقدار ما بلغه التضييق الخارجي على تنقلاته وعلاقاته وتصرفاته أو أكثر من ذلك ؛ والمحاصرة الداخلية عندنا هي بمنزلة محاصرة الداعية لأخيه ، ما دامت الدعوة إلى هذه العودة ،