تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
تترتب على هذين الركنين الإحاليين نتيجتان أساسيتان : إحداهما ، أن المسلم ، كائنا ما كان ، داعية بالأصالة ؛ فلمّا كان مرجع الحكم في الدعوة هو السلوك ، لا القول ، كان سلوكه شاهدا على دعوته ، سواء توسل فيها بالقول أم لم يتوسل به . والأخرى ، أن الأمة الإسلامية ، بمختلف شعوبها ، هي بمثابة داعية واحد ؛ وتوضيح ذلك أنه حيثما وجدت أسباب سلوكية متنورة ومتحررة مستمدة من الشرع الإلهي ، فثمة يقينا مظاهر للعمل الدعوى ؛ ومعلوم أن الأمة الإسلامية في مجموعها تعتمل فيها هذه الأسباب السلوكية التنويرية والتحريرية ، فيلزم أن تكون ، باحتضانها لهذه الأسباب ، أمة داعية ، سواء تقلد هذا الشعب أو ذاك من شعوبها أمر الدعوة إلى رجوع الإسلام ، واعيا بدوره التنويري والتحريري أم لم يتقلده ، لاعتبارات هي إلى ضعف الإيمان أقرب منها إلى قوته . وعلى الجملة ، يكون ما صدق الدعوة إلى رجوع الإسلام جامعا بين مقتضى العموم الذي يجعل من حق كل فرد أو شعب مسلم أن يقوم بهذه الدعوة وبين مقتضى السلوك الذي يجعل وصف الداعية قائما بالمسلم الواحد ولو من غير صدور
هامش
- " الحكمة " و " الموعظة الحسنة " و " المجادلة الحسنى " ؛ وهذا التقسيم يوافق نظرتنا إلى العقل ، ذلك أن العقل عندنا على مراتب ثلاث : أعلاها " العقل المؤيد " الذي يختص به صاحب الحكمة ، وأوسطها " العقل المسدد " ، ويختص به صاحب الموعظة الحسنة ، وأدناها " العقل المجرد " ، ويتميز به صاحب المجادلة الحسنى ( انظر كتابنا العمل الديني وتجديد العقل ، ط . 2 ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ) ؛ إلا أن الدعوة إلى إحياء أخلاق الإسلام ، وهي في نظرنا دعوة خاصة ، لا تكون إلا بالعمل ، ويكون العمل في مرتبة الحكمة وصفا قائما بصاحبها ، أي حالا دائما له ، ويكون في مرتبة الموعظة الحسنة فعلا حاصلا لصاحبها من غير دوام ؛ أما المجادلة الحسنى ، فلا عمل فيها ، إذ هي تجريد محض ، فلا تكون طريقا مستقلا في الدعوة إلى رجوع الإسلام ، وإنما هي وسيلة يستعان بها في بيان الحكمة والموعظة الحسنة نفسهما متى وقع الاعتراض عليهما ؛ وقد أشار فخر الدين الرازي في التفسير الكبير إلى إمكان قصر الدعوة على الطريقين الأولين من غير أن تكون نظرتنا إلى " المجادلة الحسنى " هي عين نظرته إليها ، إذ حملها على المعنى الخاص المنقول عن اليونان ، وهو " الإلزام والإفحام " ، ونحن نحملها على معنى " العقل المجرد " في عمومه ؛ وسنرى في موضعه كيف أن كثيرا من الدعاة اليوم انتهوا إلى حصر الدعوة في المجادلة الحسنى باتباعهم طريق التجريد فيها ، تأثرا بمسلك خصومهم ، فارتكبوا بذلك خطأين : أحدهما أنهم جعلوا ما ليس طريقا في الدعوة إلى عودة الإسلام طريقا فيها ؛ والثاني ، أنهم استغنوا به عن غيره مما هو أولى أن يكون طريقا في هذه الدعوة .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 174 | طه عبد الرحمن