وعلى الجملة ، تكون دلالة الدعوة إلى العودة إلى الإسلام جامعة بين مقتضى التنوير الذي هو توعية خلقية تخرج المدعو من الجهل السابق إلى المعرفة النافعة وبين مقتضى التحرير الذي هو تعبئة عملية تخرجه من قيود المخلوق القديمة إلى أفضال الخالق الواسعة .
1 . 2 - ما صدق " الدعوة إلى رجوع الإسلام "
تنبني إحالة " الدعوة " - أو ما صدقها « 1 » - في رأينا هي الأخرى على ركنين اثنين :
أحدهما العموم ، ومقتضاه أن دعوة الرجوع إلى الإسلام ليست ، كما ظن بعضهم ، عملا خاصا تتولاه فئة معلومة من المسلمين ، وإنما هي عمل عام ينهض به كل مسلم مسلم ، أيا كان وحيثما كان وأنى كان ؛ فقد يأتي به الواحد من الخاصة ، عالما كان أو حاكما - إذ يجوز أن يكون الحاكم المتبصر المخلص داعية مثله في ذلك مثل العالم المتمكن المجاهد - كما قد يأتي به الواحد من الجمهور ، متعلما كان أو محكوما ، بل قد يقوم به الشعب الكثير بكامله ، حكاما ومحكومين ، علماء ومتعلمين ، إذ يجوز أن يكون الشعب الملتئم الصف والمتحد المقصد بمنزلة الداعية الواحد .
والركن الثاني ، السلوك ، ومقتضاه أن الأصل في دعوة الرجوع إلى الإسلام ليس ، كما يظن الجمهور ، قولا يقع به التوجه إلى المدعو ، بل هو فعل يتجلى في السلوك يلحظه هذا المدعو ، وقول الداعية إنما هو أمر تال له متفرع على فعله ؛ انظر كيف أن القرآن الكريم جعل الدعوة على قسمين ، كلاهما دعوة سلوكية ، وهما :
" الدعوة بالحكمة " و " الدعوة بالموعظة الحسنة " ، إذ " الموعظة الحسنة " هي القول العملي المسدّد في مقاصده و " الحكمة " هي القول العملي المسدّد في مقاصده والمؤيّد في وسائله « 2 » .
هامش
( 1 ) " الماصدق " اصطلاح منطقي مركب من الحرف : " ما " والفعل : " صدق " ، ومعنى قولنا :
" ما صدق اللفظ كذا " هو مجموع الأفراد أو الأعيان أو الذوات التي يصدق عليها هذا اللفظ ، أي ينطبق عليها بصدق .
( 2 ) لقد درج أغلب المفسرين على اعتبار أن الآية الكريمة :" ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "( سورة النحل ، الآية 125 ) ، تذكر طرقا ثلاثة للدعوة على وجه العموم هي : -