تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
المحاصرة وفي طرق رفعها بعد وضع تحديد متميز لمفهوم " الدعوة " يتفق مع نظرتنا الأخلاقية .

1 - أركان دعوة العودة إلى الإسلام

لا بد من بيان مقصودنا من " الدعوة " ، دلالة وإحالة - أو ، إن شئت قلت ، مفهوما وما صدقا - لكي يتضح ما ننظر فيه من حالها ونتكلم عنه من مآلها .

1 . 1 . مفهوم " الدعوة إلى رجوع الإسلام "

تنبني دلالة " الدعوة " - أو مفهومها - في نظرنا على ركنين اثنين : أحدهما ، التنوير ، والتنوير لغة هو الإخراج من الظلمة إلى النور ؛ ومعلوم أن الجهل ظلمة والمعرفة نور ، فيكون التنوير المقوم للدعوة توعية تخرج المدعو من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة ؛ ومعلوم أيضا أن الإسلام يجعل من كل فعل ، كائنا ما كان ، خلقا صريحا يحمد أو يذم ، أو قل يحسن أو يقبح ؛ فإذن الفعل المعرفي ، على خلاف الظن السائد ، يعدّ فعلا خلقيا في الممارسة الإسلامية ، بدليل وقوعه تحت الحكم بالحسن أو بالقبح ؛ فهناك المعرفة التي تجلب الخير ، فتكون حسنة ، وهناك المعرفة التي تجلب الشر ، فتكون قبيحة ؛ وعلى هذا ، يكون التنوير المقوّم للدعوة إلى رجوع الإسلام عبارة عن توعية خلقية صريحة تخرج المدعو من ظلمة الجهل التي غشيته خلال قرون إلى نور المعرفة الذي كان يهتدي به قبل هذا الغشي الطويل . والركن الثاني هو التحرير ، والتحرير لغة هو الإخراج من العبودية إلى الحرية ؛ ومعلوم أن التعلق بالمخلوق عبودية والتعلق بالخالق حرية ، فيكون التحرير المقوّم للدعوة تعبئة تخرج المدعو من العبودية للمخلوق إلى الحرية في الخالق ؛ ومعلوم أيضا أن الإسلام يجعل من كل حركة ، كائنة ما كانت ، عملا صريحا يصلح أو يفسد ؛ فإذن حركة التعلق بالشيء ، على خلاف الظن السائد ، حركة عملية في الممارسة الإسلامية ، بدليل وقوع الحكم عليها بالصلاح أو الفساد ؛ فهناك التعلق الذي يجلب الخير ، فيكون مصلحا ، وهناك التعلق الذي يجلب الشر ، فيكون مفسدا ؛ وعلى هذا ، يكون التحرير المقوّم للدعوة إلى رجوع الإسلام عبارة عن تعبئة عملية صريحة تخرج المدعو من العبودية للمخلوق التي سقط فيها مبكرا إلى الحرية في الخالق التي كان يتصف بها قبل هذا السقوط السريع .
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 172 | طه عبد الرحمن