تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
تبنى الأخلاق على دين أرضي ، وإما أنه لا يقبل أن تبنى على أي دين ؛ فإن كان الأول - أي يقبل انبناء الأخلاق على الدين الأرضي - فأجدر به أن يقبل بالدين السماوي كأصل تبنى عليه الأخلاق ، لأن المفروض في هذا الدين أنه ينطوي على نماذج مثلي لما قد يقدّر وجوده في الدين الأرضي من منافع وخيرات ، والنموذج أحق بالاعتبار مما هو نموذج له ؛ وإن كان الثاني - أي لا يقبل انبناء الأخلاق على الدين البتة - فليس أشدّ من هذا المعترض مناكرة للواقع ، لأن واقع الحياة الإنسانية مشبع بالقيم الدينية ، ولا أشدّ منه مجاحدة للمعقول ، لأن القيم الدينية ليست بالضرورة مخالفة للمعقول ، فيجوز أن تكون معقوليتها متقدمة على طاقة العقل الموجود حاليا ، بحيث لا يستطيع أن يدركها الإنسان إلا في طور لاحق من أطوار هذا العقل ؛ فحينئذ ، يكون من المعقول أن ينتفع بها في طي المسافة التي تفصله عن هذا الطور الآتي ؛ كما يجوز أن تكون معقوليتها مجاوزة للعقل الموجود حاليا ، فلا يستطيع أن يدركها الإنسان ، لا في طور العقل الحالي ولا في طور آت ، مهما تقلبت أطواره ؛ فحينئذ ، يكون من المعقول أن يستنير الإنسان بما فوق طاقة عقله في التقلب في أطوار العقل التي في طاقته . والآن نستجمع أفكارنا ، فنقول : إننا مطالبون أكثر من ذي قبل بوضع فلسفة أخلاقية إسلامية جديدة تجيب عن أسئلة السائل في العالم المنتظر ؛ وقد اجتهدنا في استخراج بعض الأصول العامة التي يمكن أن تنبني عليها مثل هذه الفلسفة ، فكان أن انطلقنا من مسلّمتين أساسيتين هما : " لا إنسان بغير أخلاق " و " لا أخلاق بغير دين " ، انبنت عليهما النتيجة الحاسمة ، وهي : " لا إنسان بغير دين " ، ثم أبطلنا جملة من التفرقات المتداولة التي تتفرع عليها النظريات الأخلاقية غير الإسلامية ، وهي " التفرقة بين العقل والشرع " و " التفرقة بين العقل والقلب " و " التفرقة بين العقل والحس " ؛ وبعد أن وضعنا في اعتبارنا المقتضى الأخلاقي للعالم المنتظر - وهي أن يكون التخليق بطريق الخبر والحكاية ، لا بطريق الأمر والوصاية - ، قمنا باستخراج أركان ثلاثة للنظرية الأخلاقية الإسلامية : أولها ، " ركن الميثاق الأول " الذي يتعلق بالجمع بين العقل والشرع ، وقد تفرّع عليه أن الأخلاق الإسلامية أخلاق كونية ، لأنها أخلاق موسّسة لا مجتثة ، ومتعدية لا قاصرة ، وشاملة لا محدودة ، فتكون بذلك أوفق أخلاق للأفق العالمي للإنسان المنتظر ؛ والثاني ، " ركن شق الصدر " ، وهو يتعلق بالجمع بين العقل والقلب ، وقد تفرّع عليه أن الأخلاق
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 169 | طه عبد الرحمن