تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
التعبد بموجب الميثاق الأول ، صار غير منفك عن التوسل بالإشارة : فكل خلق يصبح عبارة عن نقل المحسوس المنفصل إلى المعقول المتصل ، فيكون كمال التخلق عبارة عن كون الإنسان لا يرى شيئا محسوسا إلا ويرى فيه معنى معقولا . 3 . 3 . 2 . أخلاق القبلة أخلاق انفتاحية : سميت " القبلة " كذلك لخاصتين اثنتين ، أولاهما ، الاستقبال ، فهي الجهة التي يستقبلها المصلي - أي يتوجه إليها - ، والثانية ، المقابلة ، فهي الجهة التي يقابلها وتقابله - أي يواجهها وتواجهه - ؛ ولا يخفى أن الاستقبال علاقة موجّهة من أحد الطرفين الداخلين فيها ، وأن المقابلة موجّهة من الطرفين معا ، أي أن الواحد منهما نظير الآخر في توجيه هذه العلاقة ؛ وفي كلتا الحالتين ، يكون المتوجّه خارجا عن نفسه ، منفتحا على المتوجّه إليه ، متسعا لحضوره ، مستعدا للإقرار به ، كائنا ما كان ، شيئا جامدا أو كائنا حيا ؛ وعلى قدر المتوجّه إليه ، تزداد قيمة الانفتاح عليه كما تزداد واجباته ؛ ولما كان المتوجّه إليه حسا هو البيت ، ولكن عقلا هو ربه الحامي له ، كان هذا الانفتاح أنفع أشكال الانفتاح وأوجبها للأدب ؛ ولا أقدر على أن ينهض بحقوق هذا الأدب من المتوجّه ( بكسر الجيم المشددة ) الذي يكون قد اجتاز عملية شق الصدر ، هذا النهوض الذي يجعل أخلاقيته تزداد حسنا بما لا يزداد به غيرها . 3 . 3 . 3 . أخلاق القبلة أخلاق اجتماعية : معلوم أن القبلة هي مركز اجتماع بمعنيين اثنين ، أحدهما ، أنها الوجهة التي يستقبلها بوجوههم أهل الميثاق المسلمين ؛ والثانية ، أنها الوجهة التي يقصدها أهل الاستطاعة منهم ويأوون إليها مرة في كل عام ، يذكّرهم جمعهم الحسي فيها بالجمع الغيبي الذي حصل يوم الميثاق الأول ؛ فليس في التربية على روح الجماعة أبلغ من أن تستحضر عقلا هذه الروح حيث أنت في كل يوم عدة مرات ، وأن تكون معها حسا حيث هي في كل عام مرة ، وأن يحصل استحضارك العقلي لها وكونك الحسي معها على شرط الميثاق الأول ؛ وهكذا ، يكون أصحاب القبلة أكثر من غيرهم قدرة على التخلق بأخلاق الجماعة متى استوفوا شرط شق الصدر ، والشاهد على ذلك تحولهم جماعة من القبلة الأولى إلى القبلة الثانية . وجملة القول في حادثة تحويل القبلة أنها تمد الإنسان بأخلاق تجعله يتوسل بالعبارة المحسوسة للانتقال إلى الإشارة المعقولة كما تجعله يطلب الانفتاح والتعرف على الأشياء والأحياء من حوله ، ويندفع في الحياة الجماعية متقلبا مع أطوارها
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 166 | طه عبد الرحمن