تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
المختلفة ، أي أنها تمد الإنسان بأخلاق تخرجه إلى العالم ، دلالة ومحيطا ومجتمعا ؛ وبهذا ، تكون أخلاق تحويل القبلة هي الأخلاق الحركية بحق ، وليس العالم المنتظر بأقل حاجة إلى أخلاق الحركة منه إلى أخلاق العمق . ومن ثم يلزمنا - نحن المسلمين - أن نجتهد في تعريف غيرنا بمكانة القبلة في التاريخ الأخلاقي للإنسان وتوضيح كيف أن أخلاق القبلة يمكنها أن تحقق الموافقة في الاتجاه والسلوك بين الأفراد داخل العالم الجديد ؛ ذلك أن تصدّع أو ارتفاع حدود المكان بين البلدان بسبب انحسار نفوذ المؤسسات المحلية على اختلافها سوف يجعل أغلب الأفراد يشعرون بفقدان الوجهة التي إليها يتوجهون كما لو كانوا في طريق بغير معالم الاهتداء أو كانوا في بحر بغير إبرة الملاحة ؛ وفي هذه الحال ، ليست تنفع إلا أخلاق تكون ثمرة التربية على اتخاذ الوجهة ، حتى يعتصم بها هؤلاء الأفراد في مواجهة هذا الشعور بضلال الطريق ؛ ولما كانت أخلاق القبلة بالذات هي هذه الأخلاق بعينها ، صار أهل العالم المنتظر لا يستغنون عنها في معرفة كيف يتحولون من الوجهات الخاصة المتصدعة وكيف يعيّنون وجهة واحدة متمكنة تجتمع عليها القلوب وتتوجه إليها العقول .

4 - الرد على الاعتراضات المحتملة

لا يبقى لنا الآن إلا أن نجيب بإيجاز على سؤالين محتملين : أولهما هل يجوز أن تطيق عقول المستقبل التسليم بهذه الأحداث : " الميثاق الأول " و " شق الصدر " و " تحويل القبلة " ؟ والثاني هل يجوز أن تقبل هذا العقول الجديدة أخلاقا مستندة إلى الدين الإسلامي ؟ الجواب العام على السؤالين معا هو أن الأمر يتعلق أساسا بقدرة المفكر المسلم على مضاهاة أصحاب هذه العقول في النظر والتفلسف ؛ وليس من سبيل إلى هذه المضاهاة إلا إذا تزود بأسباب هذه العقلانية الجديدة تزوّد أصحابها بها وعرف كيف يجعل عقلانيته الميثاقية تحيط بهذه الأسباب العقلانية غير الميثاقية ، مبرزا حدودها وعيوبها ؛ فلا ريب أن العقل الميثاقي أوسع وأقوم من العقل غير الميثاقي ، ألا ترى كيف أن من وراء العقل الأول أفق الألوهية ، في حين ليس من وراء العقل الثاني إلا أفق الآدمية ؟ وشتان بين الألوهية والآدمية ؛ فليس في الآفاق أوغل في الاتساع ولا أجمع للحق من الأفق الإلهي ؛ وحتى لو زعم بعضهم أن هذا الأفق هو مجرد فرضية متخيّلة ، فإنه يبقى أن العاقل الميثاقي أكثر تمسكا من العاقل غير