" الحس " و " المكان " و " الجهة " ؛ فأولا ، لها شكل مكعب ، والشكل المكعب بالغ الدلالة على المكان لجوانبه المتعددة وجوفه الواسع ؛ وثانيا ، سميت " بيتا " ، ولا يتحقق الإنسان بطبيعة المكان في شيء مثلما يتحقق بها في البيت الذي يسكن فيه ؛ وثالثا ، أن محيطها آوى أصناما كثيرة بقيت ذكراها عالقة بالأذهان ، والصنم مثال للجسمية ، ومعلوم أن الجسم هو ما يمتلئ به حيز المكان ؛ هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، فليس في الواجبات الشرعية ما هو أبعد عن الحس والمحسوس وأبعد في العقل والمعقول من معاني الصلوات - فروضا ونوافل - التي يؤديها الإنسان موليا وجهه شطر القبلة ؛ ثم إن المقصود بها - وهو واضع الميثاق سبحانه - لم يتصف في أي طور من أطوار تحقق هذا الميثاق بدرجة التنزيه - أي بدرجة " التعلق بالعقل وحده " « 30 » - التي اتصف بها في الطور المحمدي منه ، فلم يتجلّ للجبل ولا كلّم أحدا من الشجرة كما في الطور الموسوي ولا كان كلمة في الرحم كما في الطور العيسوي ؛ فما السر إذن في أن يستقبل المصلي أدل الأشياء على الحس في القيام بأدل الأشياء على العقل ؟
الجواب يقوم في القاعدة المقررة ، وهي أن الشيئين اللذين نعلم سلفا تناقضهما ، متى استعمل أحدهما للدلالة على الآخر ، فإن المراد منه لا يكون أبدا معناه الحقيقي ، وإنما معنى مجازي يقابله ، أي أن المراد يكون معناه الإشاري ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون مضمون " الأمر بالتوجه إلى القبلة في التعبد " هو بالذات مطالبة المتوجّه بأن يخرج من محسوسية القبلة إلى معقولية التعبد ، مع تنبيهه إلى أنه يتوجب عليه أن يفعل ذلك بالأحرى في كل شيء آخر سوى القبلة : فما دام قد وجب الخروج إلى المعقول في القبلة - وهي أشد الأشياء الحسية استعصاء على هذا الخروج - فهو في ما دونها حسية أوجب .
وعلى هذا ، يكون الأخذ بالإشارة هو أصل الأصول في تحقيق التعبد ، فما من شيء حسي يجوز أن نتعبد به إلا ويجب أن نسلك فيه طريق الإشارة ، أي أن تخرجه من ظاهره الحسي إلى باطنه المعنوي « 31 » ؛ ولما كان التخلق إنما هو ثمرة
هامش
( 30 ) واضح هنا أن المقصود بالعقل ليس العقل المجرّد الذي صاغه الفكر اليوناني ، وإنما العقل الحي الذي أمده الشرع الإلهي عن طريق مواعظه بالتسديد في المقاصد وعن طريق حكمه بالتأييد في الوسائل .
( 31 ) تدبر الآية الكريمة :" لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ . . . " ،177 ، سورة البقرة .