تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
أخلاق خاصة ، إلا أخلاق شق الصدر ، فهي التي تكون ، بحق ، ثمرة تجديد للأصل العميق الذي ينبني عليه هذا الفضاء الخاص والذي وهو القلب ؛ وفي تجديده حتما ميلاد لعقل جديد ، وهو ما يتطلع إليه العالم الآتي عن قريب . وبعد أن وضحنا كيف أن حادثة شق الصدر تحقق الجمع بين العقل والقلب وكيف أنها تزوّد الإنسان بأخلاق تذهب بعيدا في أغواره ، ننتقل إلى بيان الحدث الثالث الذي يخبرنا بحصول الجمع بين العقل والحس ؟

3 . 3 . تحويل القبلة والأخلاق الحركية

معلوم أن الخاصية المميزة للمحسوس هو تحيزه في المكان ، ومعلوم أيضا أن الخاصية المميزة للمكان هو احتماله للجهات ، وهي : " فوق " و " أسفل " و " أمام " و " خلف " و " على يمين " و " على يسار " ؛ وبهذا ، تكون الجهة هي الأصل في المحسوس ؛ فقولنا : " هذا الشيء محسوس " ، معناه أنه موجود على الأقل في واحدة من هذه الجهات الست ؛ فإذا تكلمنا عن الصلة بين العقل والحس ، فإن المراد إذن هو الصلة بين العقل والجهة ؛ ولا بد للعقل - الذي شهد زواجه بالشرع يوم الميثاق الأول وحصّل كمال هذا الزواج يوم شق الصدر - من أن يتبين له كيف يزدوج بالجهة ، وأي الجهات هي أنسب إلى كماله . وقد حدث هذا التبيين في يوم فتنة أشبه بفتنة الحس ، أثارها أقوام ذوو عقول سقام ؛ فهؤلاء يقولون : " جهة المشرق أولى " ، وأولئك يقولون : " جهة المغرب أولى " ، وآخرون يقولون : " لا نرى بعقلنا ما يقتضي هذه الجهة أو تلك " ؛ تلك هي حادثة تحويل القبلة ؛ والقبلة ، كما هو معلوم ، هي الجهة التي تستقبل للصلاة ، وقد كان الإنسان النموذجي يتجه ، في أول ظهور أمره في مكة ، جهة بيت المقدس ، ثم لما هاجر إلى المدينة استمر على استقبال هذه الجهة مدة من الزمن ، حتى جاءه الإذن بأن يتحول منها إلى جهة الكعبة التي كان يتشوق إلى أن تكون قبلته ؛ فكيف هي إذن طبيعة الأخلاق التي يمكن أن يفيدها الإنسان من هذه الحادثة التاريخية ، حتى يحفظ هويته من التصدع في العالم المنتظر ؟ فكل من يتأمل في هذه الحادثة ، لا بد أن يجد أن الأخلاق التي تولّدها تتصف على الأقل بالخصائص التالية : 3 . 3 . 1 . أخلاق القبلة أخلاق إشارية : يقع التوجه إلى القبلة عند الصلاة ؛ وفي هذا مفارقة عجيبة ؛ ذلك أنه ليس في الأجسام أدل من محل القبلة على معنى
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 164 | طه عبد الرحمن