3 . 2 . 3 . أخلاق شق الصدر أخلاق تجديد : واضح أن التغيير الذي يبتغي رتبة التجديد لا يمكن تحققه إلا إذا تطرق إلى الأصل ولم يكتف بالفرع ، وتطرق إلى الباطن ولم يكتف بالظاهر ؛ وواضح أيضا أن فعل استخراج العلقة من القلب وغسله بماء مطهّر هو تغيير في أصل الإنسان وباطنه ، فيكون تجديدا بحق ؛ وعلى هذا ، فإن الأخلاق التي يرثها مطهّر القلب ليست أخلاقا فرعية ، وإنما أخلاقا أصلية ، وليست أخلاقا ظاهرة ، وإنما أخلاقا باطنة ؛ ولما كانت كذلك ، لزم أن تحدث تحولا جذريا في الإنسان ، يخرجه من هوية إلى أخرى كأنما ولد من جديد وكتب له تاريخ جديد ؛ فإذن كل من شق صدره ، استحق أن يكون إنسانا جديدا ؛ وقد ذكرنا أن الذي يحق له أن يتعاطى لهذا الشق هو العارف بمكان العلقة في القلب وبمقتضى الميثاق الذي هو الجمع بين العقل والشرع ، فيكون هذا العارف هو الأصل في تجديد الإنسان ؛ أما الذي يأبى أن يسلم نفسه لمثل هذه الجراحة ، فلن يكون له من هذا التجديد الجذري نصيب ولو توهم أنه جمع من الأخلاق ما جمع ، لأنها لن تكون إلا أخلاقا فرعية وظاهرة ، أي أخلاق قشور لا أخلاق جذور ، ولا تجديد على وفق الميثاق مع وجود القشور والخلو من الجذور .
وحاصل القول في حادثة شق الصدر أنها تورّث الإنسان أخلاقا تنبني على تطهير الباطن الموصول بالطور النهائي من أطوار الميثاق كما تؤهله من داخله للمهام العظمى وتمده بأسباب تجديد ما في أعماقه ؛ وبهذا ، تكون أخلاق شق الصدر أخلاق العمق بحق ، والحال أن الإنسان المنتظر لا يحتاج إلى شيء احتياجه لمثل هذه الأخلاق العميقة .
ومن ثم يتوجب علينا ، نحن المسلمين ، أن نجتهد في تعريف غيرنا - ممن لم يعلموا بواقعة شق الصدر - بحصولها وفي بيان كيف أن الإنسان المنتظر يحتاج إلى التزود بالأخلاق التي تنتج عنها ؛ ذلك أن عالم المستقبل سوف يشهد حدثين هامين : أحدهما ، انهيار النظريات الأخلاقية والأنساق المعيارية والدساتير السلوكية الكبرى التي كانت إلى حد الآن توجّه الحداثة الغربية ، فيتسبب ذلك في فراغ أخلاقي لا يحتمل ؛ والثاني ، ازدياد الهروب إلى الحياة الخاصة باعتبارها الفضاء المتميز لممارسة الحرية الفردية ، فتنشأ عن ذلك الحاجة إلى أخلاق تأتي من داخل هذا الفضاء الخاص ، لا من خارجه ؛ فحينذاك ، لا يكون بين يدي الإنسان في هذا الزمن غير البعيد ، لمواجهة هذا الفراغ الأخلاقي ولتلبية هذه الحاجة إلى إنشاء
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 163
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٦٣