تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وخياطتها مع تحققه بمقتضى الميثاق الأول . هذا على سبيل المجاز ، أما عن وجه الحقيقة من هذا الكلام ، فإن القلب الذي به هوى في أصله لا يمكن أن يخرج عن هواه إلى العقل بمحض إرادة صاحبه وقدرته ، ذلك لأن صاحبه لا يأمن أن يتراءى له الهوى بصورة العقل ، فيتصور له الباطل بصورة الحق ، إذ لا يمكن أن يعرف بنفسه هواه ولو خيّل إليه أنه يعرفه ؛ وحيث إن المقصود بالعقل هنا هو العقل الموصول بالشرع بموجب الميثاق ، فإن ما يتراءى له أو يتصوره يكون أشد ضررا وأبعد أثرا مما لو رأى الهوى هوى وتصور الباطل باطلا وإن أتاهما ؛ لهذا ، يكون صاحب هذا القلب أحوج من غيره إلى التماس الاختصاصي الذي يقدر على معرفة موقع الهوى منه ، حتى يعينه على التطهر منه ، فيصفو عقله لتمام الوصل بالشرع ، فإذن لا تطهير بغير مطهّر ، والمطهّر هو عينه قد تولى غيره تطهيره ، وهكذا في صعود إلى الإنسان النموذجي الذي جاء بالطور الشرعي الخاتم ؛ وعليه ، فكل تطهير حقيقي للقلب لا بد أن يكون متصلا بهذا الإنسان الأول وموصولا بالشرع الذي جاء به . 3 . 2 . 2 . أخلاق شق الصدر أخلاق تأهيل : لم تجر عملية شق الصدر والتطهير عبثا ، وإنما جرت لغاية محددة ، وهي تهييئ القلب للاقتدار على تلقي أمر جلل ، ألا وهو الطور الخاتم من تحقيق الجمع بين العقل والشرع كما تقرر في الميثاق الأول ! ولولا حصول هذه العملية الجراحية في باطن هذا المتلقي ، لما اختير لهذه المهمة العظمى ولما طاق النهوض بها ؛ ومفاد هذا أن كل من يهم بأمر ذي بال ، فلا بد أن يستعد له بشقّ أدق وأخفى عضو فيه ؛ ومتى شق هذا العضو وأخرجت منه العلقة ، فلا يمكن أن يبقى ، على عكس ما رسخ في الأذهان ، مجرد محل للعواطف والانفعالات والأهواء ، بل يصير حتما محلا للعقل وتوابعه من المعرفة والتفكر والتذكر ؛ فلو لا أنه غدا معدن العقل ، لما استحق أن تنزل به الشريعة الإلهية ، فهي لا تنزل إلا حيث يتحقق مقتضى الميثاق الأول ؛ ومتى وضعنا في الاعتبار أن ما نزل على قلب النموذج هو أكمل طور ممكن في الربط بين العقل والشرع ، عرفنا أن العقل الذي قام بهذا القلب بفضل الشق هو أكمل عقل يمكن أن يمتلكه الإنسان ؛ وبذلك ، يلزم أن تكون عقلانية الإسلام أسمى عقلانية ممكنة كما يلزم أن يكون عقل المسلم أسمى عقل ممكن متى اهتدى في حياته إلى من يشق قلبه ويستخرج منه العلقة .