كل حضارة إنسانية وحياة اجتماعية « 25 » ؛ فما الفرق في التصور الذهني بين هذه العناصر التي يتقوم بها الميثاق الاجتماعي وبين العناصر التي تضمنها الميثاق الإلهي ؟ ألا يجوز أن تكون عناصر الميثاق الاجتماعي مقتبسة من عناصر الميثاق الإلهي أو على الأقل متشبّهة بها ولو أن الفرق في القيمة الكيانية ( أي " الأنطولوجية " ) بين الميثاقين شاسع ، فالميثاق الإلهي جمع إلى كمال الإله ضمانه ، بينما الميثاق الاجتماعي لا كمال فيه ولا ضمان ؛ فالذي يسلّم بالميثاق الأخير حريّ به أن يسلّم بالميثاق الأول ، وإلا جاز القدح في عقله ، ناهيك بمن يدعون اليوم إلى إقامة المواثيق مع غير العاقل مثل " الميثاق مع الطبيعة " أو " الميثاق مع البيئة " أو " الميثاق مع الأرض " ، فهؤلاء أحوج إلى التسليم بالميثاق مع اللّه متى كانوا عقلاء أو نسبوا أنفسهم إلى العقل .
وبعد أن بينا كيف أن حادث الميثاق الإلهي حقق الجمع بين العقل والشرع وكيف أنه زوّد الإنسان بأخلاق ذات صبغة عالمية ، ننعطف على بيان الحدث التاريخي الثاني الذي يخبرنا بحصول الجمع بين العقل والقلب ؟
3 . 2 . شق الصدر والأخلاق العمقية
يرمز " القلب " في الممارسة الإسلامية إلى ذات كامنة في الإنسان تعبّر عن حقيقته وتصدر عنها كل أفعاله ، بحيث إذا صلحت صلح الإنسان كله وإذا فسدت فسد الإنسان كله « 26 » ؛ فإذن يتحتم الابتداء بالتصدي لهذه الذات الخفية في الإنسان ومباشرة إصلاحها قبل إصلاح أي جزء آخر منه ؛ بيد أن أحقّ الذوات الخفية بهذه المباشرة إنما هي الذات الخفية ل " الإنسان الأول " ، والإنسان الأول على نوعين اثنين : الإنسان الابتدائي - أو إنسان الفتح - ، وهو الإنسان الذي تلقي أول طور من أطوار تحقيق ميثاق الجمع بين العقل والشرع - أي الطور الفاتح . ، ألا وهو أبو البشر آدم عليه السّلام ! والإنسان النموذجي - أو إنسان الختم - وهو الإنسان الذي تلقى آخر طور من أطوار هذا التحقيق للجمع بين العقل والشرع - أي الطور
هامش
( 25 ) من أشهر القائلين بالميثاق الاجتماعي نذكر من المتقدمين : الإنجليزي " هوبز " والفرنسي " روسو " والألماني " كانط " ومن المعاصرين : الأميركي " رولز " .
( 26 ) تأمل الحديث الشريف : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " ، رواه البخاري في كتاب الإيمان ، ومسلم في كتاب المساقاة عن النعمان بن بشير .