تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
3 . 1 . 3 . أن أخلاق الميثاق الأول أخلاق شاملة لكل أفعال الإنسان : لما كانت كل أفعال الإنسان تصدر عن عقله الذي أعطى الميثاق ، لزم ، بموجب صدورها عن هذا العقل ، أن تشملها جميعا هذه الأخلاق بلا استثناء ، فإذن كل فعل عقلي يصير فعلا خلقيا بموجب الميثاق الأول ؛ لهذا ، يجب أن يحمل علامة هذا الميثاق التي تدل على أنه يقر بواجباته والتزاماته ؛ ومن ثم ، صح الفرق بين " عقل يعقل الأشياء عن نفسه " و " عقل يعقلها عن ربه " « 24 » أو قل بين " عقل منفصل " ( أو " مفصول " ) و " عقل متصل " ( أو " موصول " ) ؛ فالعقل المنفصل نسي الميثاق أو تناساه ، فنسب الأمر كله إلى نفسه ، بحيث لا يرى في الأشياء إلا مجالا لممارسة سيادته ؛ أما العقل المتصل ، فإنه ، على العكس من ذلك ، تذكّر هذا الميثاق ودام على حفظه في نفسه ، فأوكل الأمر إلى البارئ ، بحيث يرى في كل شيء شيء ، إن في نفسه أو أفقه ، آية من آيات سيادة بارئه . ومجمل القول في الميثاق الأول أنه يورّث الإنسان أخلاقا مؤسّسة ( بفتح السين المشددة ) ومتعدية وشاملة ، مما يجعلها أنسب أخلاق للعالم المنتظر ، وبيان ذلك أنها ، بفضل أساسها الإلهي ، تجلب الثقة في هذا العالم ؛ وبفضل تعديها من بعض أفراده إلى الباقي ، فإنها تسوّي بين حقوقهم وواجباتهم ؛ وبفضل شمولها لجميع الأفعال ، فإنها تحفظهم من ظلمهم لأنفسهم أو ظلم بعضهم لبعضهم ؛ وبهذا ، تكون أخلاق الميثاق هي الأخلاق الكونية بحق وليس سواها . ومن ثم يكون علينا ، نحن المسلمين ، أن نجتهد في تعريف غيرنا - ممن لم يبلغهم خبر هذا الميثاق الأول - بوجوده وفي إقناعهم بفائدته في تطوير مسار الأخلاق وتجديد هوية الإنسان فيما سيأتي من أيام ، ولا سيما أن هذا الغير قد أعلن ضرورة الاستعداد لهذا الطور الحاسم من أطوار الإنسانية ؛ وينبغي أن لا نذخر وسعا في بيان كيف أن حصول هذا الميثاق في عالم بعيد غير هذا الذي نحن فيه يقوّي من فائدته الأخلاقية بما لا يقويها ميثاق حاصل في عالمنا هذا ؛ فليس تصورنا لهذا الميثاق بأبعد ولا أغرب من تصور مواثيق الوجود والتواجد التي وضعها البشر من عندهم ؛ فهذا الميثاق الاجتماعي التي حدد به بعض الفلاسفة وجود الدولة ميثاق لا يصف أية حالة واقعية ، ولا يحيل على أية لحظة من تاريخ الإنسانية ، بل يفترض حالة وهمية ، وهي حالة الطبيعة التي كان عليها الإنسان والتي كان مجردا فيها من
هامش
( 24 ) انظر المحاسبي : العقل وفهم القرآن ، ص . 218 - 231 .