تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
أن خاطب الإله بني آدم كافة وهم في عالم الغيب قائلا : " ألست بربكم ؟ " ، فأجابوه أجمعين شاهدين على أنفسهم : " بلى . " ! ذلك هو الميثاق الذي أخذه الشارع الأسمى من العقلاء وعقولهم « 23 » ؛ فكيف هي إذن طبيعة الأخلاق التي يجوز أن يزود بها هذا الميثاق الأول الإنسان لمواجهة ما ينتظره من تزلزل في هويته ؟ لا بد لكل من يتأمل في هذا الميثاق أن يجد أن الأخلاق التي ينتجها تتصف على الأقل بالخصائص التالية : 3 . 1 . 1 . أن أخلاق الميثاق الأول أخلاق مؤسّسة ( بفتح السين المشددة ) : لما كان العقل هو الذي يطلب هذه الأخلاق ، حتى يكتمل ويستقيم ، استحال أن يكون هو نفسه مؤسّسا لها ، لأن في هذا تأسيسا لما هو مفتقر إليه ، وواضح أنه لا تأسيس للشيء مع الافتقار إليه ؛ وعلى هذا ، فإنه يلزم أن يرجع هذا التأسيس للطرف الثاني المشترك في هذا الميثاق - أي للشرع - لعلو رتبته على العقل واستغنائه بنفسه ؛ ومن هنا ، يتبين أن الأخلاق لا يمكن أن تقوم على ميثاق يحصل بين البشر وحدهم ، ولا بالأحرى بين البشر وما دونهم ، لأن مثل هذا الميثاق لا ضمان فيه ، لأن العقل البشري لا يفتأ يتقلب ويتلون ، غير متيقّن من فائدة ما يختاره من مقاصد ولا ما يتخذه من وسائل ، والضمان الصحيح لا يكون إلا مع الثبات الدائم ، وهذا الثبات بالذات هو الذي يميز الميثاق الذي يكون فيه الشارع الإلهي طرفا متفضلا ؛ فطالما الإنسان يحفظ عهده له ، فلا يخشى أن يضره تقلب عقله ، لأن هذا الشارع يضمن دوام فائدة هذا التقلب . 3 . 1 . 2 . أن أخلاق الميثاق الأول متعدية إلى العالم كله : فهذه الأخلاق لا تخص صلاح الفرد الواحد ولا صلاح الأمة الواحدة ، وإنما تبتغي صلاح البشرية قاطبة ، بل تبتغي صلاح جميع المخلوقات التي في عالم الإنسان ؛ ذلك أنها ترفع همة الإنسان إلى أن يأتي أفعاله على الوجه الذي يجعل نفعها يتعدى نفسه وأسرته ووطنه إلى العالم بأسره ، بحيث تكون كل بقعة من العالم وطنا له ويكون كل إنسان فيها أخا له ويكون كل كائن سوى الإنسان نظيرا له في الخلق ( بالفتح والسكون ) ؛ انظر كيف أن الشارع الإلهي أخذ الميثاق من البشر ، وهم في مشهد واحد ، بوصفهم من صلب واحد ينزلون إلى أرض واحدة !
هامش
( 23 ) تدبر الآية الكريمة :" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ :أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا : بَلى " ،172 ، سورة الأعراف .