وإذا نحن جمعنا بين مقتضى الحرية للإنسان المنتظر ومقتضى الحدث للحياة الخلقية ، لزمنا الأخذ بطريق الاعتبار ، أي إيراد الأحكام الخلقية ، لا في صورة أوامر ، وإنما في صورة أخبار ، ولا في صورة نسق ، وإنما في صورة قصص ، لأن الأخلاق أفعال حية والأفعال الحية هي تاريخ والتاريخ لا يحيا إلا بالقصة ، فتكون أخلاق الإنسان هي قصته التي تحدد هويته .
فحينئذ ، لا غرو أن يكثر في القرآن الكريم القصص الجميل وأن ترد أحكامه ومواعظه في سياق هذا القصص « 22 » كما لا غرو أن يقع الإلحاح على العناية بسيرة الرسول عليه السّلام وعلى إقامة ركن الاقتداء ؛ فهل السيرة إلا قصة حقة ! وهل الاقتداء إلا تشخيص هذه القصة !
فلنجتهد إذن في أن نعرض مضامين الأخلاق الإسلامية في صورة أخبار حبلى بالإشارات وأحداث غنية بالدلالات ، أخبار وأحداث تدعو المتلقي إلى أن ينكفئ عليها يتأملها ويعتبر بها ؛ ولنتساءل عن الوقائع الفاصلة التي حصلت بفضلها الجموع الثلاثة : " الجمع بين العقل والشرع " و " الجمع بين العقل والقلب " و " الجمع بين العقل والحس " ؛ ولنبدأ بالحدث الحاسم الذي تقرر فيه الجمع بين العقل والشرع ؟
3 . 1 . الميثاق الأول والأخلاق الكونية
لا يمكن أن يتم الوصل بين العقل والشرع إلا إذا جرى بين ذي العقل - أي العاقل - وبين ذي الشرع - أي الشارع - ما يشبه الاتفاق ، ويكون مضمون اتفاقهما هو أن ما يدركه الأول هو نفسه ما يقرّه الثاني ، والعكس بالعكس ، أي أن ما يضعه الثاني هو عينه ما يفهمه الأول ؛ إلا أن الشارع هنا ليس شارعا إنسانيا ، وإنما شارعا إلهيا ، والإله يستحيل في حقه أن ينقض الاتفاق ، في حين يجوز أن ينقضه الإنسان ؛ لذلك ، يكون الاتفاق من جانب الإنسان العاقل عبارة عن تعهد ملزم ، فهو يتعهد بأن يكون عقله موافقا للشرع ومخالفا للهوى .
وقد حدث هذا التعهد الملزم في يوم ليس كسائر الأيام ، لأنه لم يكن من أيامنا في هذا العالم ، يوم لم نعد نذكره بأنفسنا ولكن تذكّرنا به الرسالات ، ألا وهو يوم
هامش
( 22 ) تدبر الآيات الكريمة الثلاث :" إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ " ،62 ، سورة آل عمران ؛" فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " ،سورة الأعراف ؛" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ " ،3 ، سورة يوسف .