الإدراك الحسي المختلفة تصدر عن القلب « 17 » ، فقد وجب أن يكون الفعل المميز للقلب - وهو العقل - مجانسا بوجه من الوجوه لهذه الأفعال الإدراكية جميعها ، ولا مجانسة بينهما ما لم يحمل بعضا من صفاتها الحسية ؛ ولو تفطن مفكرو الإسلام إلى هذه الحقيقة التي جاء بها الشرع ، - وهي أن العقل من جنس الحس - لما اندفعوا في وصف الذات الإلهية بصفات العقل ، ولكن حجبهم عن ذلك تغلغل المفاهيم اليونانية في صدورهم ؛ والصواب أن المعقول ، مهما بلغ من التجريد ، يبقى حاملا لأسباب حسية ؛ ولولا هذه الأسباب ، لما أمكن تنزيل المعقولات ، مفاهيم وعلاقات ، على الأشياء المحسوسة والمجرّبة .
والثاني ، أن الفصل بين العقل والحس أفضى إلى تقديس العقل بما يقرب من التأليه ، حتى إنه يجوز الكلام بهذا الصدد عن نوع من " الوثنية العقلانية " اصطبغت به المعرفة البشرية في مجملها « 18 » ؛ فلما تقرر عند أهلها أن العقل أسمى من الحس ، لا غرابة أن يقع الارتقاء بهذا الشرف إلى أقصى مداه ، فيلحق العقل بعالم الروح ، ثم يقع الارتقاء به إلى أقصى درجات الروحانية ، وهي : الألوهية ، فيصبح العقل إلها ، بل يتفرع إلى آلهة عدة كما حصل مع اليونان ؛ وحتى إذا لم يصبح مع أقوام غير اليونان كذلك ، فإن التعلق بالعقل عندهم بلغ حد العبودية له ؛ فهؤلاء علماء المسلمين ، على شديد توحيدهم ، لم يبقوا بمنأى عن هذه العبودية للعقل ؛ ينهض دليلا على ذلك إجماعهم على أن " العقل هو مناط التكليف " ، اعتقادا منهم - تحت تأثير الأفكار اليونانية التي انتشرت في محيطهم - أن العقل هو المقوّم الأول الذي يميز الإنسان عن البهيمة ، مع أنه لا دليل يثبت أن الحيوان لا عقل له « 19 » ؛ والحال أن مجرد كون الإنسان إنسانا يكفي في حصول التكليف ، وقد يرفع عنه هذا التكليف في مواضع مخصوصة بأدلة مقبولة .
وباختصار ، فإن الفعل الحسي كالفعل العقلي يصدر عن القلب ؛ فهو مثله يحمل أسبابا عقلية كما أن الفعل العقلي ، على العكس من ذلك ، يحمل أسبابا
هامش
( 17 ) تدبر الآية الكريمة :" وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً " ،25 ، سورة الأنعام .
( 18 ) ارجع إلى الفصل الثاني من هذا الكتاب .
( 19 ) تدبر الآيتين الكريمتين :" حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ " ،18 ، سورة النمل ؛" فَمَكَثَ[ أي الهدهد ]غَيْرَ بَعِيدٍ ، فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ " ،22 ، سورة النمل .