تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
يصح أن تكون البعثة النبوية على جلالها من أجل ما هو كمالي لا حرج في تركه ، وإنما ينبغي أن تكون من أجل ما هو أمر ضروري لا يجوز أبدا تركه ، كما لا يصح أن يكون الإتمام الذي تستهدفه هذه البعثة يتعلق بجزء معين من الإسلام ، وإنما ينبغي أن يتعلق بكلية هذا الدين باعتباره الطور الخاتم لأطوار التشريع الإلهي المنزّل . وعلى الجملة ، فإن العقل فعل قلبي صريح ، وكل فعل قلبي هو فعل خلقي تتحدد به إنسانية صاحبه ، ولا عبرة بحكم على الفعل لا يراعي حصول الثمرة الخلقية .

2 . 3 . مسلمة الفرق بين العقل والحس

لقد سادت التفرقة بين العقل والحس في مختلف شعب المعرفة الإسلامية زاد من غلوائها تأثير المقابلة اليونانية بين عالم المعقول وعالم المحسوس إن لم يكن هو الأصل فيها ، حيث اكتست هذه التفرقة في المعرفة الإسلامية صفة خلقية كما هو الأمر في المعرفة اليونانية ؛ فالمعقول يعد أشرف نحتاج إلى طلبه لذاته والمحسوس يعد أخس نحتاج إلى تركه ولا يجوز طلبه إلا عند تقيّده بالمعقول ؛ بل صارت هذه التفرقة أصلا تقاس عليه تفرقات أخرى نحو التفرقة بين الروح والجسم أو بين النفس والبدن أو التفرقة بين العالم العلوي والعالم السفلي أو بين عالم الروح وعالم المادة ؛ إلا أننا نورد على هذه التفرقة بين العقل والحس الاعتراضين الآتيين : أولهما ، أننا لا نجد لهذه التفرقة أصلا في النص الشرعي ، كتابا منزّلا أو سنة مطهّرة ، بل كل الشواهد تدل على أن هذا النص يصل بين العقل والحس وصلا قويا ، بحيث يكون في الحس عقل ، فمثلا في النظر عقل وفي السمع عقل وفي النطق عقل « 15 » ، أما إذا لم يكن في الحس عقل ، فلا يعد حسا ، وإنما فقدا للحس « 16 » ، فمثلا النظر بلا عقل يكون عمى ، والسمع بلا عقل يكون صمما ، والنطق بلا عقل يكون بكما ؛ وليس هذا فحسب ، بل إن الوصل بينهما في هذه الشواهد الشرعية يتعدى طور فعل العقل في الحس إلى طور التفاعل بينهما ، فكما أن في الحس عقلا ، فكذلك في العقل حس ؛ وتوضيح ذلك أنه لما كانت أفعال
هامش
( 15 ) تدبر الآيتين الكريمتين :" وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ " ،10 ، سورة الملك ؛" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ " ،171 ، سورة البقرة . ( 16 ) تدبر الآيتين الكريمتين :" وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ، أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ، أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ " ،42 - 43 ، سورة يونس .