وعلى هذا ، يتضح أن وجوه التفريق المفترضة الثلاثة : " المصدر " و " المضمون " و " الكيفية " لا تفيد في إقامة تمييز واضح بين العقل والشرع ، بحيث لا تعارض ولا ابتداع في أن نقول بأن العقل الإنساني إلهي والشرع الإلهي إنساني ، ولا في أن نقول بأن العقل شرع داخلي والشرع عقل خارجي ، ولا في أن نقول بأن العقل شرع صناعي والشرع عقل طبيعي .
2 . 2 . مسلمة الفرق بين العقل والقلب
إذا استثنينا رجال التصوف ، فليس في علماء المسلمين من لم يغلب حديثه في العقل على حديثه في القلب ، لكي ينتهي في آخر المطاف إلى تغييب معنى " القلب " بالمرة ؛ ويكاد أن يكون هذا التغييب كليا عند فلاسفة الإسلام ؛ ويرجع السبب في هذا أيضا إلى تأثير مفاهيم الفلسفة اليونانية فيهم ، إذ يستقل فيها مفهوم " العقل " عن مفهوم " القلب " ، لأن وظيفة الأول بحسبها معرفية ، في حين أن وظيفة الثاني وجدانية ؛ ولئن صح فيها أنهما قد يجتمعان فيما بينهما ، فلا يصح أن أحدهما يتعلق بالآخر تعلق التابع بالمتبوع « 12 » كما هو شأنهما في الشريعة الإسلامية على ما سيتضح لك ؛ أما علماء المسلمين من فقهاء وأصوليين ونظار ، فإنهم ، إذا تعرضوا لمفهوم " القلب " ، عند تناولهم للعقل والمعقول والمعاني المعقولة في باب العلل ، حصروا كلامهم فيه في كونه محل الاعتقاد والنية فحسب ؛ ونورد على هذا الفصل بين العقل والقلب الاعتراضين التاليين :
أولهما ، أن هذا الفصل أفضى إلى " تشييء " العقل ؛ والمقصود بالتشييء هنا هو إقامة العقل مقام شيء مخصوص قائم في داخل جسم الإنسان ، أي مقام ذات مستقلة موجودة إما في حيز من القلب أو في حيز من الدماغ ؛ والحال أننا لا نجد في النص الشرعي الأصلي ، قرآنا كريما أو حديثا شريفا ، ولو شاهدا واحدا يستفاد منه إمكان هذا التشييء ، بل إن ما نجده هو ، على العكس من ذلك ، شواهد تنفي هذا التشييء ؛ فقد جاء فعل " عقل " فيها مسندا إلى القلب بوصفه الفعل الذي يختص به كما تختص العين بفعل النظر وتختص الأذن بالسمع ، فيكون الواقع في تشييء العقل كمن يشيّيء النظر أو السمع ، أي يكون كمن يجعل النظر ذاتا قائمة في
هامش
( 12 ) انظر مفهوم" rueoC "فيellesrevinu euqihposolihp eid ? epolcycnE، الجزء الثاني الخاص بالمفاهيم الفلسفية ، وعنوانه هو :. seuqihposolihp snoiton seL