تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
العين والسمع ذاتا قائمة في الأذن ؛ وكما أننا لا نقبل أن يكون النظر أو السمع ذاتا ، فكذلك ينبغي أن لا نقبل أن يكون العقل ذاتا ؛ ونرى أنه لولا هذا التشييء لمفهوم " العقل " ، لانفتحت للفكر الإسلامي آفاق في الممارسة العقلية قبل أن يكد المفكرون طويلا لكي يتبينوها ، منها أن العقل ليس جوهرا قائما بذاته ، وإنما فعالية إدراكية صريحة ، ومنها أيضا أن العقل ليس فعالية قاصرة - بمعنى أن أثرها ينحصر فيما هو عقلي محض - وإنما فعالية متعدية تصاحب كل الفعاليات الإدراكية ، الذهنية منها والحسية ، ومنها كذلك أن العقل ليس درجة واحدة ، وإنما درجات متعددة ، ولا هو شكل واحد ، وإنما أشكال مختلفة - بمعنى أنه حقيقة متقلبة ومتكيفة - ، ومنها أخيرا أن حدود العقل ليست حدودا ميتافزيقية مظنونة ، وإنما حدودا موضوعية ثابتة بالبرهان العلمي « 13 » . والثاني ، أن هذا الفصل بين العقل والقلب أفضى إلى الغلو في " تفقيه " الممارسة الدينية ؛ والمراد بالتفقيه هو التقنين الفقهي لأفعال المكلفين بما يجعل الاعتبار فيها أساسا لظاهر موافقتها للأحكام المقررة مع إهمال المعاني الخلقية التي تنطوي فيها والتي لو تصورنا هذه الأحكام مجردة من إفادتها ، لصارت أحكاما لاغية ؛ والحال أن الناظر في النص الشرعي الأصلي لا يسعه إلا أن يلحظ بأن الحكم الواحد من أحكامه ينضبط دائما بصفة خلقية أو أكثر يتوجب على المكلف أن يحصّلها ، فيكون الأصل في الحكم الفقهي هو القيمة الخلقية ؛ وقد أدى الإهمال لهذه القيم الخلقية في الأحكام الفقهية إلى الوقوع في محذورين اثنين : أحدهما ، قصر الأخلاق على جزء محدود من أفعال المكلفين ؛ وفي هذا جهل بحقيقة الأخلاق ، فالصواب أن كل فعل فعل يأتيه الإنسان يكون سببا من أسباب تخلّقه بما في ذلك فعل العقل نفسه ، لأن إنسانيته مستمدة من هذا التخلق الذي لا ينقطع إلا بانقطاع حياته ؛ والمحذور الآخر ، اعتبار الأخلاق من المقاصد الكمالية ؛ وفي هذا سوء فهم لحقيقة الدين ، لأن الاعتبار الأول فيه يرجع ، لا إلى الحاجات البدنية ، وإنما إلى المعاني الروحية ، فضلا عن أن في الوقوع في هذا المحذور ، على ما سلف ، سوء تأويل للحديث الشريف : " إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق " « 14 » ؛ فلا
هامش
( 13 ) انظر كتابنا : العمل الديني وتجديد العقل ، ص . 40 - 49 ؛ وكذلك كتابنا : اللسان والميزان أو التكوثر العقلي ، ص . 21 - 30 . ( 14 ) ارجع إلى الفصل الأول من هذا الكتاب .