تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وهذا فاسد ، وبيان فساده أن العقل الإنساني صادر عن الإله صدور القول الشرعي عنه ، فهو الموجد لهما معا بدون منازع ؛ فإذا قيل بأن العقل يمارسه الإنسان من داخله وبمحض إرادته ، بينما الشرع يتلقاه من خارجه وبإرادة غيره ، قلنا بأن هذا غير مسلّم ، فلم لا يجوز أن يكون العقل شرعا يتلقاه الإنسان من الداخل وأن يكون الشرع عقلا يتلقاه الإنسان من الخارج ! كما يجوز أن يكون الوجه الذي يفرّق بين العقل والشرع هو " المضمون " ، بمعنى أن مضمون العقل مضمون إنساني خالص ، بينما مضمون الشرع مضمون إلهي خالص ؛ وهذا أيضا باطل ، وبيان بطلانه أن الإنسان يفهم المضمون الشرعي فهمه للمضمون العقلي ، فهو المكلّف بهما معا بدون معارض ؛ فإذا قيل بأن الحقائق التي يتضمنها النص الشرعي لا يمكن أن يتوصل إليها العقل من عنده ، قلنا بأن هذا أيضا غير مسلّم ، فلم لا يجوز أن نتصور عقل البشرية جمعاء متقلبا في أطوار بعضها أكمل من بعض ، من غير نهاية ، بحيث يدرك هذا العقل في كل طور مزيدا من الحقائق ، حتى إذا بلغ أعلى الدرجات من الكمال ، أمكنه إذ ذاك إدراك ما يبدو لنا الآن أنه لا يطيق إدراكه ! ولم لا يجوز أيضا أن تتفاوت عقول الناس فيما بينها ، فيدرك هذا بعقله من الحقائق الشرعية ما لا يستطيع ذاك أن يدركه أو يدرك منها غير ما يدرك ! بل لم لا يجوز أن يتقلب عقل الفرد الواحد في أحوال متفاوتة تجعله يدرك ما كان يحكم في السابق بأنه غير مدرك له ! أو قل باختصار لم لا يجوز أن يصير مدرك الشرع في البداية هو مدرك العقل في النهاية ومدرك الشرع عند هذا هو مدرك العقل عند ذاك ! وأخيرا ، يجوز أن يكون الوجه الذي يفرّق به بين العقل والشرع هو " الكيفية " - أي كيفية القول والبيان - بمعنى أن كيفية العقل كيفية إنسانية خالصة ، بينما كيفية الشرع كيفية إلهية خالصة ؛ وهذا كذلك باطل ، وتوضيح بطلانه أن الإنسان يستعمل الكيفية الشرعية استعماله للكيفية العقلية ، فهو المخاطب بهما معا بدون منافس « 11 » ؛ فإذا قيل بأن وسائل التعبير والتبيين التي يستخدمها النص الشرعي لا يمكن أن يتوسل بها العقل من عنده ، قلنا بأن هذا كذلك غير مسلّم ، فلم لا يجوز أن تكون وسائل العقل وسائل شرعية دخلت عليها الصناعة العلمية وتكون وسائل الشرع وسائل عقلية جاءت وفق الفطرة الطبيعية !
هامش
( 11 ) تدبر الآية الكريمة :" وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ " ،4 ، سورة إبراهيم .