تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
جعل الشرع مكملا للعقل ، وإلا فمنهم من آثر الإبقاء على هذا الفرق وجعل لكل واحد من طرفيه طريقه الخاص ، بحيث لا يلتقيان أبدا ؛ وعلى الرغم من رسوخ هذه التفرقة في خطاب جمهور المسلمين ، فإنه من الممكن أن نورد عليها الاعتراضين الأساسيين الآتيين : أولهما ، الراجح أن هذه التفرقة لم تحدث في هذا الخطاب أو على الأقل لم تتقرر فيه إلا بعد استئناس المسلمين ببعض الأفكار اليونانية التي بكّرت بنشرها بين ظهرانيهم المدارس اللاهوتية التي كانت موجودة في الشام والعراق وفارس « 10 » ، أي قبل أن يأتي عهد الترجمة المنتظمة الذي افتتحته دار الحكمة أيام المأمون ؛ ولا ريب أن الفلاسفة الذين جاءوا من بعد هذا العهد قد ساهموا أكثر من غيرهم في تثبيت هذه التفرقة في العقول عن طريق طرحهم لإشكال التوفيق بين الحكمة اليونانية والشريعة الإسلامية ، وذلك لسببين جوهريين ، أحدهما أنهم كانوا يعدون مجموع ما نقل عن اليونان بمثابة نتاج للعقل الصريح ، في حين يعدّون مجموع ما جاء به الشرع بمنزلة ما ليس من نتاج هذا العقل ؛ والسبب الآخر ، أنهم تعرّفوا بوجه ما على التفرقة التي أقامها فلاسفة اليونان ، ولا سيما " أفلاطون " ، بين " اللوغوس " - أي القول العقلي الاستدلالي الذي يضعه الفيلسوف والذي يكون موجّها للخاصة - وبين " الميتوس " - أي القول القصصي الخيالي الذي يضعه الشاعر والذي يكون موجها للعامة - ؛ ومن المحتمل جدا أن يكونوا قد رجعوا إلى هذه التفرقة اليونانية وتوسلوا بها في تحديد العلاقة بين العقل والشرع ، وعلامة ذلك ما ذهبوا إليه من أن ما تضمنته نصوص الشرع إنما هو مثالات وتشبيهات تفيد في إفهام الجمهور مضامين هذه النصوص ، فيصير الشرع عندهم نازلا منزلة " الميتوس " . والاعتراض الثاني ، أن الذي يفرّق بين العقل والشرع يقع في مغالطة الإبهام ، ذلك أنه لا يبيّن الوجه الذي تحصل به المقابلة بين العقل والشرع ؛ وإذا نحن عمدنا إلى تبيين هذا الوجه ، ظهر بطلان هذه التفرقة ؛ فلنستخرج هذه الوجوه ولنوضّح كيف أنها تفضي إلى الباطل . فإنه يجوز أن يكون أحد هذه الوجوه المفرّقة بين العقل والشرع هو " المصدر " ، بمعنى أن مصدر العقل هو الإنسان ، بينما مصدر الشرع هو الإله ؛
هامش
( 10 ) نذكر من هذه المدارس : " رأس عين " و " قنسرين " في الشام و " الرها " و " نصيبين " و " حران " و " جنديسابور " في فارس .