دين « 7 » ، مما يجوز معه أن نعرّف الإنسان بأنه الكائن الحي المتدين « 8 » ، فالهوية الإنسانية تكون في حقيقتها هوية دينية « 9 » ؛ فإذا قيل بأننا قد نجد بين الناس من لا يتدين أصلا ، ، فإننا نقول بأن هذا قول يحتاج إلى توضيح ؛ ذلك أن المراد به هو أنه لا يقر بأنه يتدين بدين سماوي إلهي ، لكن هذا لا يرفع ، على ما ذكرنا ، جواز أخذه من هذا الدين بطريق غير مباشر ، محرّفا لما أخذه أو متسترا عليه أو متبعا فيه طريق القياس كما إذا استبدل مكان الإيمان بالإله الإيمان بمطلق من عنده يقيمه بدله ، عقلا كان أو إنسانا أو طبيعة أو مادة أو تاريخا ، إذ أصل الدين هو الإيمان بالمطلق ؛ ولا ينفع كذلك أن يقال بأن بعضهم لا يقول إلا بالنسبي وحده ، ذلك لأن هذا البعض يكون قد جعل مطلقه هو النسبية نفسها ، فيقع في ما أنكر .
2 - إبطال مسلمات النظرية الأخلاقية غير الإسلامية
بعد أن وضحنا المسلّمتين اللتين تثبتان الهوية الدينية للإنسان ، نحتاج إلى إبطال مسلمات أساسية في النظريات الأخلاقية غير الإسلامية ، مسلمات عمّ تداول الناس لها وانساق إلى الأخذ بها علماء المسلمين أنفسهم ، وهي عبارة عن فروق ثلاثة نعتبرها بمنزلة موانع معرفية لوجود فلسفة أخلاقية إسلامية متميزة .
2 . 1 . مسلمة الفرق بين العقل والشرع
لقد جرى تسليم فقهاء المسلمين ومفكريهم على السواء بالفرق بين العقل والشرع كما لو كان بديهة من البدائة أو ضرورة من الضرورات ، وكثيرا ما كان يأتي منصوصا عليه في أقوالهم ، حتى اشتهرت بينهم صيغ تعبيرية خاصة نحو : " يجوز عقلا وشرعا " أو " لا يجوز في العقل ولا في الشرع " أو " يوجبه العقل والشرع " ؛ ولما أقروا ابتداء الفرق بينهما من غير تردد ، لم يسعهم إلا أن يمضوا إلى تقليب نظرهم في وجوه الجمع الممكنة بينهما ، فبعضهم جعل العقل تابعا للشرع ، وبعضهم جعل الشرع تابعا للعقل ، وبعضهم جعل العقل مكمّلا للشرع ، وبعضهم
هامش
( 7 ) تدبر الآية الكريمة :" وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " ،44 ، سورة الإسراء .
( 8 ) يقول الراغب الأصفهاني : " فالإنسان يحصل له من الإنسانية بقدر ما يحصل له من العبادة التي لأجلها خلق ، فمن قام بالعبادة حق القيام ، فقد استكمل الإنسانية ، ومن رفضها فقد انسلخ من الإنسانية فصار حيوانا أو دون الحيوان " ، تفصيل النشأنين وتحصيل السعادتين ، ص . 69 .
( 9 ) تدبر الآية الكريمة :" وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " ،56 ، سورة الذاريات .