الشعور السابق الذي كان يوافق طريقا معارضا ؛ ولما كان الشعور السابق هو شعور بالغرور ، صار الذي يتلوه شعورا بالقصور ؛ ومتى تقلب حاله من الغرور إلى القصور ، اطرح إرادة السيادة على انتساق الإمكانات وانمحى عنه وصف البطش بالخارج .
ومبدأ التخلق الذي تنبني عليه نظرية التعبد ينفع في درء الضرر المترتب على قلب الأدوار بين الذات والغير ، وهو ضرر الاستكبار الذي يلحق السلوك ؛ ذلك أن التخلق يوجب على صاحب انطباق التمكن أن يباشر الاشتغال القائم على التبعية لسيد الكون الذي هو مطلوب كل من يريد الخروج عن منطق السيادة ؛ فإذا دخل في هذا الاشتغال ودام عليه ، تولد فيه الشعور بالغيرية وتزايد هذا الشعور حتى يبلغ غايته بأن يصير الغير المشعور به غيرا بإطلاق ، أي مفارقا له مفارقة مطلقة ؛ عندئذ ، يتولد عنده الشعور بالتبعية ويتزين سلوكه بوصف الانكسار بعد أن كان غارقا في الاستكبار ، ولا تبعية بهذا المعنى إلا للواحد القهار ؛ ومتى تقلب سلوكه من حال الاستكبار إلى حال الانكسار ، فإنه يترك إرادة السيادة على انطباق التمكنات وينمحي عنه وصف البطش بالغير .
3 . 3 . 2 . آداب التصرف : لا يتوقف كل من التعرف والتخلق على إخراج المتصرف من آفتي سيادة البطش فحسب ، بل أيضا تتولد منهما جملة من المعايير الأخلاقية التي توجب على كل من نزل مرتبة الانتظام اتباعها ، بحيث يتعرض للضرر بحسب درجة إخلاله بهذه المعايير ؛ ونسمي هذه المجموعة من المعايير الأخلاقية باسم " آداب التصرف " ، وتأتي في مطلع هذه الآداب قاعدتان اثنتان : إحداهما قاعدة تعرّف والثانية قاعدة تخلّق .
أما قاعدة الانتظام التعرفية ، فهي :
* متى طلبت الإحاطة في المعقول والشمول في المفعول ، فاعلم أنه ما كل شيء يقبل .
فكما أن من الأشياء المعقولة ما هو مفعول وما ليس بمفعول ، فكذلك من الأشياء ما هو مقبول وما ليس بمقبول أو قل ما هو مردود ، والمردود من المفعولات أكثر من المقبول ؛ والمقبولات درجات متفاوتة ، إذ ينزل بعضها فوق بعض ، فيظهر على المقبول مقبول غيره ، لكن لا يظهر عليه غير المقبول ، كما أن المقبولات حقائق متعاضدة ، إذ يمنع بعضها عن البعض دخول غير المقبول فيه أو
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 140
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٤٠