" آداب التحكم " ، وتتقدم هذه الآداب قاعدتان اثنتان : أولاهما قاعدة تعرّف والثانية قاعدة تخلّق .
أما قاعدة التنظيم التعرفية ، فهي :
* متى أقبلت على العمل ، فاعلم أنه ما كل شيء يفعل
فكما أن من الأشياء الموجودة ما هو معقول ، ومنها ما هو ليس بمعقول ، فكذلك من الأشياء ما هو مفعول ومنها ما ليس بمفعول ؛ وما كان من المعقولات غير مفعول هو أكثر مما يقبل منها أن يفعل ( بضم الياء ) ؛ ومتى تحقق أحد هذه المعقولات ، فإنه لا يلزم منه بالضرورة حصول آثاره المتوقعة ، فقد يصرف عنه هذه الآثار مفعول آخر عارض لم يقع إحصاؤه ؛ فالمفعولات تتداعى ، فيؤثر بعضها في بعض إيجابا أو سلبا ، كلا أو بعضا .
وأما قاعدة التنظيم التخلقية ، فهي :
* يجب أن لا ينفك علمك عن عملك .
إن المعرفة العلمية لا تطّرد على مبادئ التحكم المستقل عن طلب السيادة وعن حظ البأس حتى تكون طريقا لمزيد التخلق السلوكي ، لا لمزيد التطبيق التقني ، ما دام هذا التطبيق لا يزيد صاحب هذه المعرفة إلا إصرارا على طلب السيادة ؛ ولا تخلّق إلا بالتزام العمل الحي القهري الذي يجعل المعرفة النظرية بالأسباب موصولة بالتحقق السلوكي بمعانيها ، وهذا الوصل هو وحده الذي يرقى بمضامين العلم وأحكامه من مرتبة التدليل المجرد إلى مرتبة العمل المسدّد ، فيورّث صاحبه نور البصيرة ، كما يرقى بتطبيقات العلم ووسائله من مرتبة العمل الظاهر إلى مرتبة التجربة المؤيدة ، فيورّث صاحبه نور الحكمة ؛ ومتى حصّل هذا المتخلق البصيرة والحكمة ، زاد عمله في علمه ، إذ تنفتح له فيه أبواب لم تخطر على قلبه ، كما زادت تجربته في مداركه ، إذ تنكشف له فيها آفاق لم ترها عينه .
3 . 3 . التصرف والفعل الداخلي الذاتي
إذا عرفت أخيرا أن طور الانتظام من أطوار النظام العلمي - التقني ينبني أصلا على مبدأ التصرف ، وأن التصرف هو أساسا الجمع بين انتساق الإمكانات النظرية وانطباق التمكنات العملية ، فاعلم أننا نحتاج إلى كمال التبصر بمدلول " الفعل الداخلي الذاتي " الذي تنطوي عليه عملية التصرف .