تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
ظهوره عليه ، فيكون من يحظى بالمقبول أكثر ثباتا عليه من صاحب المردود على مردوده ، وذلك للعون الذي يجده المقبول من نظيره ، وللخذلان الذي يجده المردود من نظيره . وأما قاعدة الانتظام التخلقية ، فهي : * يجب أن يكون في علمك وعملك متسع لدوام الاستزادة كل علم يكون في الزيادة فيه احتمال خروجه إلى الضرر ، لا يجوز أن يعدّ من العلوم المقبولة ؛ وكل عمل بهذا العلم يحتمل أن تضره الزيادة ، لا يجوز أن يعدّ من الأعمال المقبولة ؛ والأصل في ذلك ورود الشبهات أو دخول المفاسد على كل من هذا العلم وهذا العمل ، إن في مبادئهما أو مقاصدهما أو مناهجهما ؛ بينما المعرفة العلمية المقبولة تكون مفتوحة الآفاق ومتسعة الرحاب ، بحيث لا يخشى على الزيادة فيها من أن تخرج عن شرط المعقول أو شرط المفعول ، فتأتي بالسوء قليلا أو كثيرا لحاملها أو للعامل بها ؛ فلما كانت هذه المعرفة قائمة على الاجتهاد في المقبول ، اعتبارا واشتغالا ، ليس يزداد بها صاحبها إلا تعلقا بقيم هذا المقبول ورسوخا في معانيه ، فلا يكون في معرفته هذه إلا الخير لنفسه خاصة وللناس عامة . وخلاصة القول في ختام هذا البحث ، إن النظام العلمي - التقني للعالم ، الذي قامت عقلانيته على اتخاذ المنهج الرياضي والتجريبي ، حصل على قدرات إجرائية هائلة من إمكانات نظرية متكاثرة وتمكنات عملية متزايدة جلبت له سيادات ثلاث هي : " التنبؤ " و " التحكم " و " التصرف " ، كل سيادة منها تخص مرتبة من مراتبه العقلانية الثلاث ، وهي : " النظم " و " التنظيم " و " الانتظام " ؛ أما سيادة التنبؤ التي تقوم في ترتيب الإمكانات وتبين التمكنات ، فتميّز عقلانية النظم ، وأما سيادة التحكم التي تتجلى في تنسيق الإمكانات وتطبيق التمكنات ، فتخص مرتبة التنظيم ، وأما سيادة التصرف التي تكمن في انتساق الإمكانات وانطباق التمكنات ، فتميز مرتبة الانتظام . غير أن طلب هذا النظام لكمال السيادات الثلاث حمله على اتخاذ مواقف تضر بالأخلاق ذات الأصل الديني ، في جانبيها الاشتغالي والاعتباري ؛ فطلب الكمال في التنبؤ النظمي دعاه إلى استبعاد هذه الأخلاق ، فأنكر مكانة العمل الحي في العلم ، كما أخرج منه منهج التعليل القصدي ؛ أما طلب الكمال في التحكم التنظيمي ، فحمله على الاستحواذ على هذه الأخلاق ، فاستولى على مجالها العملي كما نسب