وظيفتها التقويمية إلى غيرها من شعب المعرفة ؛ وأما طلب الكمال في التصرف الانتظامي ، فدعاه إلى تعاطي الابتداع لأخلاق مقابلة للأخلاق الدينية ومنكرة لحقيقة الفطرة الإنسانية ، أي أخلاق علمية وعلمانية .
وبهذا ، يكون النظام العلمي التقني الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة نظاما لا يبتغي السيادة المحدودة التي ترضى بها الطبيعة الإنسانية وتكون خادمة لها ، بل يبتغي السيادة غير المحدودة التي لا ترضى بها هذه الطبيعة وتكون مفسدة لها ، بحيث يكون هذا النظام نظاما قاهرا للإنسان ، يكرهه ولا يطيعه ، أو قل ، بإيجاز نظاما متسلطا .
ولما كان هذا النظام يطلب في نهاية المطاف التسلط على الإنسان وقهره ، لا خدمته ونفعه كما بشّر بذلك مؤسّسوه في بدايته ، فقد تولت نظريات أخلاقية معاصرة بيان الحدود والآفات التي تتطرق إلى السيادات الثلاث التي ينبني عليها كما تولت تعيين الطرق والوسائل التي تحفظ الحدود وتدفع الآفات .
ف " نظرية المسؤولية " منها بينت حدود التنبؤ ودعت إلى إقامة تصالح مع الطبيعة يصير الإنسان بمقتضاه مسؤولا عن أفعاله حيالها ، ويصير الشعور بالخوف من عواقب هذه الأفعال ، زاجرا له عن نقض الميثاق الطبيعي .
أما " نظرية التواصل " ، فوضحت حدود التحكم ودعت إلى تأسيس أخلاق شاملة عن طريق التناظر بين الجماعات والثقافات المختلفة ، وحاملة على تقييد المعرفة العلمية بمعايير كلية تنفذ آثارها في المقاييس الإجرائية التي تعتمدها المعرفة .
وأما " نظرية الضعف " ، فبيّنت حدود التصرف وكشفت عن " قانون الانقلاب " الذي يقضي بأن العقلانية ، متى طلبت الإحاطة بكل شيء ، خرجت إلى ضدها ، ورتبت على هذا القانون ضرورة ترك الإكثار من التقنية ووجوب الزهد في طلب المزيد من القوة .
ولئن أفادت هذه النظريات الثلاث في التنبيه على عاجل الحاجة إلى إحياء القيم الأخلاقية حتى تمسك بزمام النظام العلمي - التقني للعالم ، فإنها قصرت عن الإسهام في الإصلاح الأخلاقي لهذا النظام لكونها أخلت إخلالا مزدوجا بشرط " التناسب " الذي يقتضي أن تكون الوسيلة على قدر المقصد ، شكلا ومضمونا .
فقد أخلت بالتناسب في المضمون بدعوتها إلى التزام مبدأ " التعقل " ، وهو خلق ، إن ثبت نفعه في مجال المعرفة القديمة ، فإنه يقصر عن هذا النفع في نظام المعرفة الحديث لما هو عليه من التشعب والتوسع ؛ كما أخلت بالتناسب في الشكل
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 142
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٤٢