مقتضى التحكم عن طلب السيادة ذات البأس ، والبأس في هذا الموضع ، كما اتضح ، بأسان اثنان : بأس الطمع في غير المقدور وبأس التوسع غير المحصور ؛ ولا تفيد هنا أيضا إلا نظرية التعبد ، إذ تمدنا بما يكفل لنا تحصيل هذا أو ذاك .
أما مبدأ التعرف من هذه النظرية ، فيسعفنا في دفع الانضرار الحاصر من آفة ادعاء فعل غير المقدور ، إذ أن منسّق الإمكان يلزمه العمل بالاعتبار ؛ ولا اعتبار إلا لمن نفذ من ظاهر الأشياء إلى باطنها ومن أسبابها إلى معانيها ، بحيث إذا ظهر السبب ولم يظهر المعنى ، كان الأولى الإمساك حتى يبرز هذا المعنى ؛ وأحد هذه المعاني إيجاب المسؤولية أو قل " التكليف " ، فيكون هذا المنسّق مطالبا ( بفتح اللام ) بتبيّن هذا المعنى في كل سبب يقبل على تحقيقه ، فإن وجده ، حصّل المشروعية العقلية في إمضاء هذا الفعل على شرائطه ؛ وإن لم يجده ، توقف وعلم أنه لا يكلّف ما لا يطيق ؛ ومتى وقف منسّق الإمكان عند حدود هذه المعاني الاعتبارية ، ولم يتعجل المضي إلى تحقيق الأسباب ، اتجه إلى الانسلاخ عن إرادة السيادة على تنسيق الإمكانات كما عمل على ترك حظ البأس المرتبط بهذه السيادة .
أما مبدأ التخلق من نظرية التعبد ، فإنه يفيد في دفع الإضرار الحاصل من ادعاء التوسع غير المحصور ، ذلك أن مطبق التمكن يلزمه العمل الحي ؛ ولا عمل حي إلا لمن خرج من العمل التقني إلى العمل القهري - وهو الطاعة لأحكام سيد الكون - بحيث إذا انتبه لفعل تقني ولم ينتبه لوصله بفعل قهري ، كان الأجدر أن يتركه إلى أن يوفّق إلى هذا الوصل ؛ وأحد أسباب هذا الوصل وجود الحاجة إلى الشكر على ما سخره سيد الكون له ، فيكون هذا المطبّق محمولا على تحقيق تمكنه ، طلبا للاعتراف بالنعمة ، لا طمعا في الزيادة من هذا التمكن ، فيجد المشروعية العملية لهذا التحقيق ، وتكون زيادته محفوظة من انفراط حبل الإثمار منها ؛ وعلى هذا ، فمتى التزم مطبّق التمكن أسباب الوصل بالعمل الحي ولم يتعجل الحصول على آثار التمكن ، صار إلى التخلص من السيادة على تطبيق التمكنات كما وقى غيره ( بفتح الراء ) من الضرر الذي يتولد من البأس المرتبط بهذه السيادة .
3 . 2 . 2 . آداب التحكم : لا يقتصر الأصلان التعبديان : التعرف والتخلق على إخراج " المتحكم " من آفتي سيادة البأس وحسب ، بل كذلك تتولد منهما جملة من المعايير الأخلاقية توجب على كل من نزل مرتبة التنظيم اتباعها ، بحيث يلقى من الضرر على قدر إخلاله بها ؛ ونطلق على هذه المجموعة من المعايير الأخلاقية اسم
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 137
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٣٧