تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
سطوتان اثنتان : سطوة سلطان وسطوة برهان ، ولا تنفع هنا إلا نظرية التعبد ، إذ تزودنا بالوسائل التي توصّلنا إلى هذا الصرف . فمبدأ التعرف من هذه النظرية يفيد في درء الإضرار الكامن في التكلم عن ظهر الغيب ، إذ أنه يوجب على المرتّب للإمكان أن يظهر أدلته بطريق يمكّن الغير من الاعتبار بها ، كما يوجب على هذا الغير أن يخرج عن الوقوف عند ظاهر هذه الأدلة لينفذ إلى المقاصد منها ؛ ومتى قام كل منهما بشرطه ، صار ظهر الغيب بمثابة ظهور بالقصد ، فترتفع عن هذا المرتّب للإمكان إرادة السيادة على ترتيب الإمكانات ، كما يأمن الغير من أذى السطوة المقترنة بهذه السيادة . أما مبدأ التخلق من هذه النظرية ، فينفع في درء الانضرار الكامنة في الرجم بالغيب ، إذ أنه يقضي بأن لا يكتفي المتبيّن للتمكن باعتماد نظره المجرد وحده ، بل عليه أن يدخل في الاشتغال بأحكام الطاعة لسيد الكون الذي لا يطلع على غيبه أحدا ؛ وإذا جمع إلى النظر في غيب قد يملك الاطلاع عليه الاشتغال بغيب لا يملك الاطلاع عليه ، صار إلى التحقق من قصور تقديراته وتخرّصاته ، وأخذ يخرج عن إرادة السيادة على تبيّن التمكنات وينسلخ عن حظ السطوة المقترنة بها . 3 . 1 . 2 . آداب التنبؤ : لا يقتصر الأصلان اللذان تقوم عليهما نظرية التعبد - أي " التعرف " و " التخلق " - على محو آفتي سيادة السطوة التي يتفرد بها " المتنبيء " فحسب ، بل كذلك تتولد منهما جملة من المعايير الأخلاقية تلزم كل من دخل مرتبة النظم ، بحيث إذا أخل بها ، حرم ثمرات تنبّئه ؛ ونسمي هذه المعايير السلوكية باسم " آداب التنبؤ " ، وتتصدر هذه الآداب قاعدتان اثنتان : أولاهما قاعدة تعرّف والثانية قاعدة تخلّق . أما قاعدة النظم التعرفية ، فهي : * متى طرقت باب الغيب ، فاعلم أنه ما كل شيء يعقل فالعقل لا يجوز في كل شيء ، بل يقف في أشياء وينفذ في أشياء ، وأن ما لا يعلمه العقل أكثر مما يعلمه ، وأن ما يعلمه يطلعه على الغيب من الظواهر ، لا على الغيب من السرائر . وأما قاعدة النظم التخلقية ، فهي : * يجب ألا ينفك علمك عن العلم بسيد الكون