فالمعرفة العلمية لا تستقيم على أصول التنبؤ المنفك عن طلب السيادة وعن حظ السطوة ، حتى تكون مفتاحا لمزيد التعرف على سلطان سيد الكون بقدر ما هي باب للاطّلاع على مقاصد وقوانين ما يجريه من آيات كونية ؛ فالقانون العلمي ، أيا كان ، ما لم يزد صاحبه تبيّنا لهذا السلطان الخارجي ولّد في نفسه شعورا بسلطان داخلي لا يلبث أن يجلب له أو لغيره ضررا قريبا أو بعيدا ولو بدت على هذا القانون لوائح الإتيان بخير مرغوب فيه ، إذ أن العالم الذي يتنكب عن رؤية هذا السلطان الخارجي فيما يقرره من قواعد وما يكشفه من قوانين - تارة بحجة الموضوعية العلمية ، وتارة بدعوى استقلال المعرفة العلمية ، وتارة أخرى بحجة تعذر المعرفة الغيبية - يكون قد قطع عن نفسه أسباب السداد في بصيرته ، هذه الأسباب التي تجعله يشهد في الظواهر من المعاني الروحية ما يعلو بالهمة ، كما يكون قد قطع عن نفسه أسباب التأييد في حكمته ، هذه الأسباب التي تجعله يبث في مخترعاته من جليل المنافع ما يرقى بالسلوك .
3 . 2 . التحكم والفعل الخارجي المنفصل
إذا عرفت أيضا أن طور التنظيم من أطوار النظام العلمي - التقني يقوم أصلا على مبدأ التحكم ، وأن التحكم هو أساسا الجمع بين تنسيق الإمكانات النظرية وتطبيق التمكنات العملية ، فاعلم أننا نحتاج إلى كمال التبيّن لمدلول " الفعل الخارجي " الذي تنطوي عليه عملية التحكم .
إن القادر على تنسيق الإمكانات في نزوعه إلى السيادة ذات البأس لا يفعل ما يستطيع فحسب ، بل أيضا يطمع في أن يفعل ما لا يستطيع ، تعويلا على الثمرات البعيدة لما استطاع ، كما أن القادر على تطبيق التمكنات في طلبه لهذه السيادة الثانية لا يدخل في توسيع مجاله فحسب ، بل أيضا يعمل على أن يتزايد هذا التوسع بدون انقطاع ، مستثمرا كل جديد تحقّق من التمكنات .
3 . 2 . 1 . دفع آفتي التحكم : واضح أن الطمع في فعل غير المستطاع هو خروج عن المعقول - أي القابل للعقل - ، لأنه دليل على بقية من السحر في النفس تجلب للذات المضرة ؛ وواضح أيضا أن التوسع من غير نهاية هو خروج عن المفعول - أي القابل للفعل - ، لأنه دليل على الميل إلى الظلم ، فيعرّض الغير إلى أسوإ الضرر ؛ وحينئذ ، يلزم العمل على الرجوع إلى شرط المعقول وإلى الوقوف على شرط المفعول ، ولا يمكن أن نرجع إلى المعقول ولا أن نقف على المفعول إلا إذا فصلنا