إلا بترك العمل بمبدإ السيادة على الكون وبالإقرار بهذه السيادة لسيد الكون الحق ، وأن البصيرة المسددة لا تنال إلا بالخروج عن الشعور بحال السيادة والدخول في الشعور بحال المسودية لسيد الكون أو قل حال العبودية له ، فقد جاز تسمية هذه النظرية المبنية على التخلق المفضي إلى الحكمة المؤيّدة وعلى التعرف المؤدي إلى البصيرة المسددة باسم " نظرية التعبد " ؛ فالتعبد إذن عبارة عن الجمع بين التخلق الحكيم والتعرف البصير .
فلنمض الآن إلى بيان كيف أن نظرية التعبد تدفع الآفات التي تقع فيها السيادات الثلاث : سيادة التنبؤ وسيادة التحكم وسيادة التصرف ، والتي تجلب المخاطر والأهوال لهذا الكون ، وكيف أن هذه النظرية تضع قواعد أخلاقية تخرج العمل العلمي - التقني من طلب السيادة على الكون إلى الإقرار بسيد الكون وإلى العمل بأحكامه ، قواعد نسميها ب " آداب العلم والتقنية " .
3 - نظرية التعبد وآداب العلم والتقنية
3 . 1 . التنبؤ والغيب
إذا عرفت أن طور النظم من أطوار النظام العلمي - التقني ينبني أصلا على مبدأ التنبؤ ، وأن التنبؤ هو أساسا الجمع بين القدرة على ترتيب الإمكانات النظرية والقدرة على تبين ما يترتب عليها من التمكنات العملية ، فاعلم أننا نحتاج إلى كمال التبيّن لمدلول " الغيب " الذي تنطوي عليه عملية التنبؤ .
ذلك أن القادر على ترتيب الإمكانات في نزوعه إلى السيادة ذات السطوة لا يقف عند حد الإخبار عن ظاهر الأشياء ، بل يتعداه إلى التكلم عن ظهر الغيب ، كما أن القادر على تبين التمكنات في طلبه لهذه السيادة الأولى يصير إلى الاستزادة من علم ما لا يعلم ، فيقع في الرجم بالغيب من حيث يدري أو لا يدري .
3 . 1 . 1 . دفع آفتي التنبؤ : إن الكلام عن ظهر الغيب هو زيادة في السلطان مشبوهة ، لأن المتكلم قد لا يطلع غيره على الوجه الذي يصدر به كلامه ويقرر مضامينه ، فينتهي إلى الإضرار بهذا الغير ، كما أن الرجم بالغيب زيادة في البرهان مشبوهة ، لأنها توقع في توهّم العلم حيث لا يجب ، فتؤدي إلى الإضرار بالذات ؛ فحينئذ يلزمنا صرف هاتين الزيادتين ، ولا يمكن أن نصرفهما إلا إذا فصلنا مقتضى التنبؤ عن طلب السيادة المقترنة بالسطوة ، والسطوة في هذا المقام ، كما اتضح ،