الواقف عند حدود النظر ، وإنما هو على الحقيقة " التخلق " الداخل في حدود العمل الحي ، أي ، على ما ذكر ، العمل التعبدي ؛ فالتخلق إذن عبارة عن الاشتغال الذي يدفع عن الإنسان آفة العمل بمبدإ السيادة ويجلب له الحكمة في اختراع التقنية والتأييد في استثمارها .
ولقد ذكرنا من قبل كذلك أن التنكر هو تناسي الأصول الدينية للخطاب الأخلاقي ، تأثرا بخطاب النسيان الذي ابتدعه أهل الحداثة ؛ يترتب على ذلك أن المخرج من هذا التنكر لا ينال إلا باكتساب قدرة الاعتراض على المقتضيات الإنكارية للخطاب " التقنوي " الحداثي الذي كان سببا فيه ، ولا يحصل ذلك بمجرد التمرس على آليات النقد المجرد التي يورّثها هذا الخطاب ، وإنما بالدخول في مجال الاعتبار ؛ ولا وعي ذا طابع " علموي " ينفعنا في ذلك ، لأن مطلوبنا بالذات هو ترك هذا الوعي المجرد والحصول على وعي مشخّص - غير مجرّد - قادر على أن يمحو من نفس الإنسان الشعور بحال السيادة ؛ وليس هذا الوعي المشخّص إلا الوعي الذي يدرك في كل سبب مقصده ، ويعقل في كل حادث معناه ، ويرى في كل حكم حكمته ، وهذا بالذات هو مدلول " الاعتبار " ؛ فمقتضى الاعتبار إذن هو العبور من أحكام النظر إلى أسرار العبر ، فيكون المعتبر هو من يرى الظواهر على أنها آيات ، وينسب السيادة على الكون إلى صاحب هذه الآيات .
وإذا صح أن محو الشعور بحال السيادة مقرون بإنزال الظواهر الكونية منزلة الآيات الدالة على سيد الكون ، صح معه أيضا أن الوصف الثاني القادر على تقويم مسار النظام العلمي - التقني ليس هو التنكر الواقف عند الأسباب الظاهرة ، وإنما هو ، على النقيض من ذلك ، " التعرف " الواقف على المعاني الخفية ؛ فالتعرف إذن عبارة عن الاعتبار الذي يدفع عن الإنسان آفة الشعور بحال السيادة ويجلب له البصيرة في ترتيب الوقائع على القيم والتسديد في إدراك هذه القيم .
وهكذا ، يتضح أن الأخلاقيات التي تستحق أن تناظر النظام العلمي - التقني وتقدر على أن تمحو الآثار السيئة لتحولات هذا النظام المتوالية والمتسارعة ، ليست هي النظريات التي تعتمد التعقل والتنكر مثل نظرية المسؤولية ونظرية التواصل ونظرية الضعف - لخروجها جميعا عن شرط التناسب - وإنما هي نظرية تستبدل مكان صفة التعقل مبدأ " التخلق " الجالب للحكمة المؤيدة ، وتستبدل مكان صفة التنكر مبدأ " التعرف " الجالب للبصيرة المسدّدة ؛ وبما أن الحكمة المؤيّدة لا تحصل
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 133
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٣٣