إرادة السيادة على الكون أو من إرادة قهر الكون ، لكن هذه الإرادة لا يحدها إلا تحصيل صاحبها لإرادة النزول بوجه من الوجوه منزلة المسود ( بفتح الميم وضم السين ) أو منزلة المقهور ، ولا يكون ذلك إلا بالإقرار بوجود سيد قاهر فوقه ؛ ولا يخلو هذا السيد ، إما أن يكون النظام العلمي - التقني أو يكون غير هذا النظام ؛ ومحال أن يكون هو النظام العلمي - التقني ، لأنه لو كان كذلك ، لدفع عن نفسه المخاطر والأهوال التي ترتسم في أفقه ؛ وهذا باطل ، لأن هذه المخاطر والأهوال مصاحبة له على الدوام ؛ ومتى بطل أن يكون السيد القاهر هو هذا النظام ، لزم أن يكون غيره ؛ وإذا كان كذلك ، فليس هو إلا من له مقاليد السماوات والأرض ، جلّ جلاله ؛ ولما توسلت هذه النظريات التصحيحية بمنهج يتنكر لسيد الكون الحق حيث كان يجب أن يقر به ، ويتستر على آثاره حيث كان يجب أن يظهرها ، لزم أن تأتي بالضرر حيث كان ينبغي أن تأتي بالنفع .
ومتى ظهر أن هذه الأخلاقيات تخل بالتناسب المضموني لدعوتها إلى التعقل وبالتناسب الشكلي لأخذها بالتنكر ، احتجنا إلى طلب أخلاقيات تستبدل بالتعقل والتنكر خلقين آخرين يتولى أحدهما إزالة العمل بمبدإ السيادة على الكون الذي قام عليه النظام العلمي - التقني ، ويتولى الثاني إزالة الشعور بحال السيادة ، حتى تقوم هذه الأخلاقيات بشرط التناسب المطلوب .
لقد رأينا أن التعقل هو التحفظ في اصطناع كل تقنية ممكنة والتصوّن من الإكثار من هذه الوسائل ، دفعا لسوء العواقب ، ورأينا أيضا أن هذا التعقل لا ينفع ما لم يكن متناسبا مع المقتضى السيادي للنظام العلمي - التقني ، شكلا ومضمونا ؛ يلزم من ذلك أن التعقل لا يدرك غرضه في دفع الضرر إلا إذا كان ، حقا ، ثمرة ترك العمل بمبدإ السيادة ، ولا يحصل ذلك بمجرد ممارسة النظر العقلي كما يوهمنا بذلك المعنى اللغوي للفظ " التعقل " ، وإنما بالدخول في مجال العمل ؛ ولا عمل ذا طابع " تقنوي " يفيدنا في ذلك ، لأن مطلوبنا هو بالذات الخروج عن هذا العمل الآلي والدخول في عمل حي - غير آلي - قادر على أن يحمل الإنسان على التخلي عن العمل بمبدإ السيادة ؛ وليس هذا العمل الحي إلا الاشتغال بطاعة أحكام الذي يشعر الإنسان بالمسودية في حضرته وحده ، ألا وهو سيد الكون !
وإذا ثبت أن ترك العمل بمبدإ السيادة مقرون بالطاعة الفعلية لسيد الكون ، ثبت أيضا أن الوصف الأول القادر على تقويم مسار النظام العلمي - التقني ليس هو التعقل
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 132
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١٣٢