تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
الأخلاقية الثلاث المذكورة لم تجعل همها المباشر هذا الانفصال ، ولا أبدت ميلها إليه ، ولا رأت فيه أصلا يبنى عليه ، لكن هذا الفارق بين الأخلاقيات العلمية وأخلاقيات هذه النظريات الثلاث ظل فارقا غير مؤثر ، بل غير معتبر ، ذلك أن نمط التنظير للمعاني الأخلاقية الذي ابتدعته الأخلاقيات العلمانية انتقل إلى هذه النظريات التصحيحية الثلاث . ومعلوم أن هذا التنظير يحمل من آثار مبدأ الانقطاع عن الأخلاق الدينية ما يجعل سعي هذه النظريات إلى ترك العمل بهذا المبدإ لا يبرز أبدا فيما يقرره أصحابها من دعاوى ولا فيما يحررونه من مسائل ، فكان ذكرهم الجلي تارة والخفي تارة أخرى لمعان وقواعد من الأخلاق الدينية في سياق خطابهم لا يملك أن يدفع عن هذه المعاني والقواعد ذات الأصل الديني تأثير المقتضيات الإنكارية التي ينبني عليها التنظير الذي نقلوه عن الأخلاقيات العلمانية ، فانمحت منها أوصاف والتسديد والتأييد وانقطعت عنها الأصول الروحية لهذه الأوصاف ؛ لذا ، نصطلح على تسمية خطاب هذه النظريات المصححة للنظام العلمي - التقني ب " الخطاب المتنكّر " ، تمييزا له عن " الخطاب المنكر " الذي اقترن به التنظير في الأخلاقيات العلمانية . وعلى هذا ، تكون نظرية المسؤولية ونظرية التواصل ونظرية الضعف أخلاقيات تنكّرية ويكون غيرها من النظريات الحديثة أخلاقيات إنكارية . 2 . 2 . 2 . الإخلال بشرط التناسب والحاجة إلى التخلق والتعرف : متى تقرر أن هذه النظريات الأخلاقية الثلاث دعت إلى التعقل ووقعت في التنكر ، ظهر أنها أخلت بشرط " التناسب " ؛ ومقتضى التناسب أن تكون الوسيلة على قدر المقصد ، شكلا ومضمونا . فقد أخلت هذه النظريات بالتناسب في المضمون بدعوتها إلى الاتصاف بخلق التعقل ، لأن المجال الحضاري والثقافي الذي شهد التأسيس الأخلاقي لمعنى " التعقل " لم يكن يعلم شيئا عن مدلول " السيادة على الكون " أو ، إن شئت قلت ، " قهر الكون " الذي تولد في النظام العلمي - التقني الحديث ، فيكون التعقل غير مناسب لكبح شهوة قهر الكون التي بثها هذا النظام في النفوس ، ويكون من يدعو إلى هذا الخلق كمن يدعو إلى تحريك الجبال باستعمال يد الإنسان . كما أخلت هذه النظريات بالتناسب في الشكل بسلوكها منهج التنكر ، ذلك أن الغاية من وراء تشييد هذه الأنساق الأخلاقية هو ، في نهاية المطاف ، الحد من آثار