الحضارة العلمية - التقنية - بلغ من التوسع في أفقه وبلغت آثاره من الانتشار في مداها حدا شمل معه الإنسانية جمعاء ، على خلاف الأخلاقيات السابقة التي كانت تنظّم أفعالا محدودة في أثرها وسلوكات متباعدة في عاداتها وجماعات متنافرة في ثقافتها .
لكن هذه الدعوى المشتركة يرد عليها الاعتراضان العامان التاليان :
أولهما ، أن هذه النظريات الثلاث لم تخرج عن الأخلاقيات القديمة إلا خروجا ظاهريا تعلّق بمنهجية التدليل أكثر مما تعلق بمضمونية التحليل ؛ فعلى الرغم من وقوفها على معان أخلاقية مثل " الميثاق الطبيعي " و " محبة الأرض " و " المجتمع التواصلي غير المحدود " و " ضعف الإنسان " و " الوقوع في النسيان " التي تبدو عليها لأول وهلة ملامح التجديد ، فإنها لا تخرج قط عن القيم الأساسية التي كانت تنظر فيها الأخلاقيات التقليدية ذات الأصل اليوناني ، والتي كانت تندرج كلها تحت معنى " التعقل " « 27 » ؛ فالتعقل هو إحدى الفضائل الأربع التي أقرها " أفلاطون " و " أرسطو " « 28 » ؛ فهو عبارة عن فضيلة القوة الناطقة القائمة في تحصيل المعرفة التي تفيد في تجنب ما تخشى عواقبه من الأفعال .
ونجد هذه الأخلاقيات التصحيحية تكثر من استعمال هذا المعنى الأخلاقي التقليدي ، سواء بلفظه المشهور أو بألفاظ مرادفة أو مشابهة مثل " الحفظ " و " الصيانة " و " الكف " و " الإمساك " و " التلطف " و " الاعتدال " ، كما تقرر أن هذا الخلق هو المخرج من الأزمات التي تكابدها الإنسانية ومن التسارع إلى الهلاك الذي يجلبه ما تكسبه يد الإنسان .
وبهذا الاعتبار ، تكون نظرية المسؤولية ونظرية التواصل ونظرية الضعف أخلاقيات تعقّلية مثلها مثل الأخلاقيات التقليدية .
والثاني ، أن هذه النظريات لم تفترق عن الأخلاقيات الحديثة إلا افتراقا هيّنا تعلّق بالقصد المحصّل أكثر مما تعلّق بالطريقة المتّبعة ؛ فليس من شك أن الأخلاقيات الحديثة جعلت أول مبادئها ، منذ بوادر تأسيسها في القرن السابع عشر ، أن تقطع الصلة بالأخلاق المتفرعة من الدين - لتعذر اجتماع السيادة على الطبيعة مع العمل بهذه الأخلاق - وأن تستبدل مكانها أخلاقا مستنبطة من العلم ، بينما النظريات
هامش
( 27 ) لقد تقدمت في الفصل الأول الإشارة إلى أن ألفاظ " التعقل " أو " التروي " أو " الروية " أوفق من لفظ " الحكمة " في أداء المصطلح اليوناني :" sis ? enorhp ".
( 28 ) الفضائل الرئيسة عند اليونان هي : " الشجاعة " و " العفة " و " العدل " و " التعقل " .