تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الباب ، فأصاب دعوتيهما من الضحالة ما أصاب نظرية المسؤولية المصححة لعقلانية النظم . فعلى سبيل المثال ، نعرف أن من المعاني الأخلاقية للدين أن الزهد في قدر من التقنية يجعلها تأتي راغمة وذليلة ، وأن الاستئناس بالضعف يفتح باب التقوّي على فتنة هذه التقنية ، لكن مبدأ امتلاك ناصية التقنية بواسطة التجرد من جزء منها ومبدأ نيل القوة بواسطة الضعف لا تطيقهما قوانين العقلانية التي ورثها " أيلول " . كما أن حقيقة استحالة العقل إلى ضده لا تطيقها المقتضيات المنطقية لخطاب " جانيكو " وإن أقر بهذه الحقيقة ؛ ولو أنه استطاع أن يتزحزح عن هذه المقتضيات التجريدية قليلا وأن يدقق النظر في هذه الاستحالة حتى يتبين كيف أن تولّد النقيض من نقيضه هو نوع من تصرفه فيه ، لاستبان أن خروج المعقول إلى اللامعقول إنما هو تصرف للامعقول في المعقول ؛ وهذا التصرف لا يخلو إما أن يكون تعديا أو عقابا ، ومحال أن يكون تعديا ، لأنه لو كان تعديا ، لصار في يد الإنسان يأتيه متى شاء ويصرفه متى شاء ؛ وهذا باطل ، وإذا بطل أن يكون كذلك ، وجب أن يكون عقابا ؛ وإذا كان كذلك ، فإنه لا يكون إلا سنة كونية - لا يد للإنسان فيها - تقضي بمعاملة المتعدي للحدود بنقيض مقصوده ؛ فلما طلبت عقلانية الانتظام أن تسود سيادة التصرف بادعائها أنها أشد قوة وآثارا في الأرض ، فإنها عوقبت بسيادة اللاعقلانية عليها ، حتى لم يعد يغني عنها ما كسبت . لكن " جانيكو " ، لما لم يقدر على الانفكاك عن منطق لغته الضيق ، لم يزد عن مجرد التصريح بأن الأمر الأخلاقي لا ينحني للقوة ولا ينصاع لشدة البطش ، وأنه هو الذي يحفظ طرفا من العقل من آفة الخروج عن طوره .

2 . 2 . الاعتراضات العامة

2 . 2 . 1 . الأخذ بالتعقل والعمل بالتنكر : لئن كانت كل واحدة من النظريات الأخلاقية الثلاث المذكورة : " نظرية المسؤولية " و " نظرية التواصل " و " نظرية الضعف " تدّعي تصحيح إحدى السيادات الثلاث التي اقترنت بالنظام العلمي - التقني للعالم ، وهي : التنبؤ والتحكم والتصرف ، - فاستوجب منا هذا الادعاء إيراد اعتراضات خاصة عليها بيّنت كيف أنها قصرت عن بلوغ مرادها في تقويم السيادة التي اشتغلت بها - ، فإنها جميعها تدعي وضع أصول أخلاقية جديدة مغايرة للأخلاق السابقة ، بحجة أن الموضوع الذي تنظر فيه - وهو السلوك في نطاق
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 129 | طه عبد الرحمن