الكبرى " « 23 » ، وهي أخلاقيات تشترك في وضعها جميع أمم الأرض ، على اختلاف ثقافاتها وعاداتها ؛ ولا سبيل إلى هذا الاشتراك إلا بقيام تواصل دائم بين أفرادها ، لأن هذا التواصل ينبني على معايير أخلاقية كلية وقبلية تنزل من كل خطاب منزلة شرائط الإمكان أو شرائط الصحة ، يستوي في ذلك الخطاب العادي الذي يشترك فيه جميع أفراد الجماعة التواصلية والخطاب العلمي الذي تنفرد به فئة مخصوصة من هذه الجماعة ؛ وعليه ، فإن هذه الأخلاقيات المطلوب تأسيسها تعلو على أخلاقيات العلم وتطويها ، لأن هذه الأخيرة تنشغل بالتدليل على الادعاءات العلمية وحدها ، بينما الأولى تأخذ بكل الادعاءات الإنسانية التي يمكن التدليل عليها حتى ولو تعلقت بالحاجات الخاصة .
وقد تولى " هابرماس " من جهته تأسيس أخلاقيات التواصل الذي يتخذ عنده صورة " المناظرة " ، فجعل التواصل التناظري قائما على مبدأين ، أحدهما عام والآخر خاص .
أما المبدأ العام ، فينضبط به منطق كل ممارسة للتدليل الحجاجي ، إذ يعلّق صحة القاعدة المعيارية بقبول الأشخاص المعنيين بها لكل النتائج والآثار الفرعية المترتبة عليها بسبب عمل الجميع بهذه القاعدة من أجل جلب المنفعة لكل واحد منهم ، ذلك لأن شمول العمل بها لكل الأفراد هو وحده الذي يمكّن من الظفر بالتفاهم والإجماع ؛ وقد رجع " هابرماس " في بيان هذا المبدإ إلى مضمون المقتضيات التداولية للممارسة الحجاجية وإلى خطأ التناقض الذي يقع فيه كل من يخل بهذه المقتضيات .
وأما المبدأ الخاص ، فتنضبط به المناظرة ، إذ يقضي بتعليق صحة المعايير الأخلاقية باتفاق كل الأشخاص المعنيين بها بوصفهم متناظرين ؛ وواضح أن صحة هذه المعايير تشترط إمكان التدليل عليها ، وهذا الشرط بالذات هو الذي يتولى مبدأ الشمولية السابق صياغته وإقامته .
ولا يسعنا هنا أيضا إلا أن نقر بأن نظرية التواصل مع " آبل " و " هابرماس " قد وفّقت في اجتناب ما وقعت فيه عقلانية التنظيم من الاستيلاء على الأخلاق الدينية ؛ فقد قررت بأن الأخلاق تستقل بوظيفتها التقويمية في مجالها الأصلي الذي هو
هامش
( 23 ) المقابل الأجنبي للتعبير : " الأخلاقيات الكبرى " هو :" scihte - orcaM "( الإنجليزي ) أو" euqihte - orcaM "( الفرنسي ) .