استدراك ما فات عقلانية النظم لاستبعادها الأخلاق الدينية ؛ فقد صرّحت هذه النظرية بأن للتنبؤ حدودا لا يمكن أن نكف عن تعدّيها إلا بالتصالح مع الطبيعة ، كما لمّحت إلى وجوب العمل بمبدأين من مبادئ هذه الأخلاق الإلهية :
أحدهما ، مبدأ تعظيم الخلق ( بفتح الخاء وتسكين اللام ) لنزول الخلق منزلة الآية الدالة ، أي منزلة الدليل على الخالق .
والثاني ، مبدأ الاستخلاف الذي يجعل عمارة الأرض أمانة يحملها الإنسان « 20 » .
لكن وقوف " يوناس " دون تمام التصريح بهذين المبدأين ودون التحليل لنتائجهما ولآفاق الإيقاظ التي تنفتح بفضلهما وإن ظل يتوسل بهما فيما صرح به وحلّله ، أدى به إلى الوقوع في ضحالة الإدراك لمعنى " المسؤولية " ولمعنى " الخوف " المقترن بها ، إذ لو كان المعتبر في تحمّل المسؤولية حيال الطبيعة هو عنصر غياهب المستقبل وحده ، فإن هذه الغياهب لا حول لها في بث الشعور بالتكليف فينا ، لأنها لا تملك لنا ثوابا ولا عقابا ؛ وعلى هذا ، فإن وجد الشعور بهذه المسؤولية في أحدنا ، فلا ينبغي أن ينسب إلى غيب المستقبل في هذه الحياة ، وإنما إلى غيب المستقبل في الحياة الأخرى ، لأن هذا الغيب الثاني حاضر في قلوبنا بوعده ووعيده ، وهو مبعث الخوف فينا ، وليس مستقبل الأرض من حيث هو كذلك ، لكن " يوناس " أبى إلا أن يلبس الحياة الدنيا ما حقّه أن يذكر بشأن الحياة الأخرى .
2 . 1 . 2 . حدود نظرية التواصل : نجد أصول نظرية التواصل عند الفيلسوفين النظريين الألمانيين " كارل أوتو آبل " في رسالته : في مسألة التأسيس العقلي للأخلاقيات في عهد العلم « 21 » ، و " يورغان هابرماس " في كتابه : الأخلاق والتواصل « 22 » .
ينطلق " آبل " من ملاحظة هول الأخطار وسوء الآثار القريبة والبعيدة التي تتسبّب فيها للحياة الإنسانية التحكمات الصناعية والتكنولوجية المختلفة ، ويستنبط من هذه الملاحظة ضرورة التعجيل بتأسيس ما يسميه باسم " الأخلاقيات
هامش
( 20 ) لا بدع أن يلمّح " يوناس " إلى مبدأ التعظيم ومبدأ الاستخلاف ، فقد اشتهر بالخوض في مجال العرفان الصوفي .
( 21 ) انظر :. ecneics al ed eg ? a'l ? a euqiht ? e'L : , LEPA ottO lraK( 22 ) انظر :. noitacinummoc te elaroM : SAMREBAH negruJ