يلزم عن ذلك أن النظام العلمي - التقني في مرتبة الانتظام - التي ذكرنا أنها تكسب الإنسان الحديث سيادة التصرف وسلطان البطش - ينبني على مبدأ اصطناع أخلاق جديدة ، ويتجلى هذا الاصطناع للأخلاق في مسلكين اثنتين هما : " مسلك تغيير الخلق " ( أي تغيير الفطرة ) ومسلك تغيير الخلق " ( تغيير السلوك ) .
خلاصة القول في هذا المقام أن المراتب الثلاث لعقلانية النظام العلمي - التقني ، وهي النظم والتنظيم والانتظام ، تدعو إلى مبادئ سلوكية تضر بالأخلاق الدينية ضررا يتزايد بحسب مراتب هذه العقلانية ، فمرتبة النظم تستبعد هذه الأخلاق ومرتبة التنظيم تستحوذ عليها ومرتبة الانتظام تصطنع بديلا لها .
بيد أن الإضرار بالأخلاق الدينية - إن إقصاء أو استيلاء أو استبدالا - ما لبث أن انعكست آثاره السلبية على النظام العلمي - التقني للعالم ، ذلك أن هذا النظام لم يبلغ مراده من وراء قطع صلته بهذه الأخلاق ، ألا وهو تحصيل كمال السيادات الثلاث :
التنبؤ والتحكم والتصرف ! بل إنه صار لا يقدر على أن يمنع نفسه من الانجرار التدريجي إلى مسار تحفه الأخطار والأهوال من كل جانب ، الأمر الذي دعا بعض الفلاسفة الأخلاقيين إلى التفكير في وسائل تصحيح هذا المسار الذي يفضي بالإنسانية إلى المفاسد ، بل يلقي بها إلى المهالك ، إن عاجلا أو آجلا ، وكان من ثمرة هذا التفكير ظهور بعض النظريات الأخلاقية الجديدة .
2 - تقويم النظريات الأخلاقية المصححة للنظام العلمي - التقني
سوف يكون مدار النظريات الأخلاقية المصحّحة لمسار النظام العلمي - التقني على بيان كيف أن السيادات التي يطلبها هذا النظام سيادات وهمية لما يتطرق إليها من حدود وآفات ، وتنقسم هذه النظريات إلى أقسام تختلف باختلاف أنواع السيادات التي تشتغل بالاعتراض عليها ، نخص بالذكر منها أقساما ثلاثة أساسية :
أحدها ، قسم النظريات التي تنبه على " قصور التنبؤ " ، وأشهرها ما عرف باسم " نظرية المسؤولية " .
الثاني ، قسم النظريات التي تنبه على " قصور التحكم " ، وأشهرها ما عرف باسم " نظرية التواصل " .
والثالث ، قسم النظريات التي تنبه على " قصور التصرف " ، وأشهرها ما عرف باسم " نظرية الضعف " .