الاعتبارية التي لها من القوة ما تستطيع أن تضاهي به قوة الإمكانات المادية التي انفتحت لها ، فتحفظ هذه الإمكانات من الآفات التي قد تصيبها .
كما قررت عقلانية النظم قطع حصيلتها من التمكنات العملية عن الأصل الاشتغالي من الأخلاق الدينية في قولها بدعوى نسميها " دعوى إنكار الأخلاق " ، وهي :
* لا أخلاق في العلم ولا في التقنية
والمقصود ب " الأخلاق " في هذه الدعوى كل الأفعال التعبدية التي دعا الدين الإنسان إليها من أجل تحصيل سعادته الأخروية ، فضلا عن منافعه الدنيوية ، ذلك لأن سعادة الإنسان عند أصحاب هذه الدعوى ليست رهينة باليوم الآخر ، وإنما منوطة بالحياة الدنيا وحدها ، ما دام التقدم العلمي - التقني في نظرهم قادرا على أن يرفع عن الإنسان أسباب الجوع والمرض والمشقة ، وأن يمده بأسباب رغد العيش ومتعة العمل ونعمة الأمن .
وبترك هذه العقلانية المتعمّد لجانب الاشتغال من الأخلاق الدينية ، تكون قد تركت المصدر الأساسي الذي ظل يمد الإنسان عبر أطواره الثقافية والحضارية بمعاني الحياة ومعايير السلوك وقيم العمل ، فأغلقت دونها باب تحصيل المعاني الاشتغالية التي لها من القوة ما تستطيع أن تضاهي به قوة التمكنات المادية التي انفتحت لها ، فتحفظ هذه التمكنات من أسباب الضرر التي قد تتطرق إليها .
يترتب على هذا أن النظام العلمي - التقني في مرتبة النظم - التي ذكرنا أنها تكسب الإنسان الحديث سيادة التنبؤ وسلطان السطوة - يقوم على مبدأ استبعاد الأخلاق الدينية ، ويتجلى هذا الاستبعاد في مسلكين اثنتين هما : " مسلك إلغاء القصدية " و " مسلك إنكار الأخلاق " .
1 . 2 . 2 . عقلانية التنظيم والاستحواذ على الأخلاق : لقد صارت عقلانية التنظيم - وهي عقلانية تمنح سيادة التحكم وتجلب سلطان البأس - إلى فصل رصيدها من الإمكانات النظرية عن الأصل الاعتباري من الأخلاق الدينية في أخذها بدعوى نسميها " دعوى الغصب " ، وهي :
* لا تقويم إلا التقويم العقلي أو التقويم البدني
لما كانت هذه العقلانية ترى في الإمكانات جانب التنسيق - فضلا عن جانب