الترتيب - زادت درجة على عقلانية النظم في معارضتها للاعتبار الديني ، ذلك أن ما كان يعد من قيم الصلاح أو الطلاح الأخلاقية وكان يبعث على الشعور الروحي بالسعادة أو الشقاوة ، صار إما معدودا من قيم الصحة أو العلة العقلية وباعثا على الشعور النفسي بالفرح أو الحزن ، أو معدودا من قيم النفع أو الضرر البدنية وباعثا على الإحساس الجسمي باللذة أو الألم « 17 » ؛ وهكذا ، تكون هذه العقلانية قد أسقطت اعتبار معيار التقويم الأخلاقي وأثبتت بدله معيار التقويم العقلي أو معيار التقويم البدني .
كما صارت عقلانية التنظيم إلى قطع رصيدها من التمكنات العملية عن الأصل الاشتغالي من الأخلاق الدينية في أخذها بدعوى نسميها دعوى " تعدي الحدود " ، وهي :
* لا شيء من السلوك إلا ويدخل في حيّز العلم أو في حيز التقنية « 18 » .
لما كانت هذه العقلانية ترى في التمكنات جانب التطبيق - فضلا عن جانب ترتّب بعضها على بعض - زادت درجة على عقلانية النظم في معارضتها للاشتغال الديني ، إذ قررت إنزال مناهجها الصورية والتجريبية على سلوك الإنسان نفسه وليس على الأشياء من حوله فحسب ، فكان لا بد أن تقع في " البغي " على جوانب من هذا السلوك اختصت الأخلاق الدينية بتوجيهها أو تقويمها ، والحال أن التوجيه أو التقويم الذي تقوم به هذه الأخلاق الدينية ينبني على التسليم بأن السلوك الإنساني ليس أجزاء متباينة أو طبقات متفاوتة ، وإنما هو صفات متكاملة وأفعال متعاضدة ، بحيث إذ دخل على الصفة أي تبديل أو على الفعل أي تغيير ، تداعت له الصفات أو الأفعال الأخرى بالتأثر والتأثير .
ينتج عن ذلك أن النظام العلمي - التقني في مرتبة التنظيم - التي ذكرنا أنها تكسب الإنسان الحديث سيادة التحكم وسلطان البأس - ينبني على مبدأ الاستحواذ على الأخلاق الدينية ، ويتمثل هذا الاستيحواذ في مسلكين اثنتين هما : " مسلك
هامش
( 17 ) لمزيد التفصيل لمسألة القيم ، ارجع إلى كتابنا : تجديد المنهج في تقويم التراث ، ص . 110 - 114 .
( 18 ) الغالب في استعمال حرف " أو " أن يفيد معنى التخيير بين شيئين فأكثر ، لكن قد يحمل أيضا معنى الجمع ؛ ونستعمله نحن هنا في المعنيين معا كما هو الشأن في التحديد الذي يضعه له المنطقي ؛ ومن هنا يجوز أن يدخل الفعل السلوكي الواحد في حيز العلم والتقنية معا .