تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
يزيدان في مستوى أخلاق التأييد عنهما في مستوى أخلاق التسديد ، فالاشتغال المؤيّد لا يكتفي بأعمال الجوارح كالاشتغال المسدّد ، بل يجعل الأصل فيها أعمال الجوانح كما أن الاعتبار المؤيّد لا يكتفي بالتعرف على الأفعال والصفات ، كالاعتبار المسدّد ، بل يجعل الأصل فيه التعرف على الذات . ولما كانت لعقلانية النظام العلمي - التقني للعالم مراتب ثلاث : النظم الذي ينبني عليه التنبؤ والتنظيم الذي ينبني عليه التحكم والانتظام الذي ينبني عليه التصرف ، اتخذت كل مرتبة منها طريقا خاصا بها في الانفصال عن الأخلاق الدينية ؛ فلنبين الآن كيف أن كل واحدة منها فصلت جانبها الإمكاني عن الأصل الاعتباري من هذه الأخلاق كما فصلت جانبها التمكني عن الأصل الاشتغالي من هذه الأخلاق .

1 . 2 . الانفصال عن الأخلاق الدينية

1 . 2 . 1 . عقلانية النظم واستبعاد الأخلاق : لقد قررت عقلانية النظم - وهي عقلانية تمنح سيادة التنبؤ وتجلب سلطان السطوة - فصل حصيلتها من الإمكانات النظرية عن الأصل الاعتباري من الأخلاق الدينية في قولها بدعوى نسميها دعوى " إلغاء القصدية " ، وهي :

* لا علم إلا بالبرهنة والتجربة

والمقصود ب " البرهنة " هنا اتباع الطرق الصورية التي تسطّرها القواعد المنطقية والقوانين الرياضية في إثبات المسائل ؛ والمقصود ب " التجربة " اتباع الطرق الاختبارية التي تقرها القوانين الطبيعية والمعادلات الرياضية في تحقيق الفرضيات ؛ وواضح أن سلوك الطرق الصورية والاختبارية مبناه أساسا على ربط الآثار - نتائج أو معلومات - بأسبابها الفاعلة ، مقدمات أو عللا ، وليس على ربط هذه الآثار بأسبابها الغائية ، مقاصد أو قيما . وبترك هذه العقلانية المتعمّد لجانب الاعتبار من الأخلاق الدينية ، تكون قد تركت المصدر الأساسي الذي ظل يمد الإنسان عبر أطواره المعرفية بقواعد مترسخة في التدليل ، مع العلم بأن الدليل قد يكون فعلا ملحوظا كما يكون قولا مرتبا ، كما ظل يمده بضوابط موسّعة في الحجاج ، مع العلم بأن الحجة قد تكون نموذجا مقتدى به كما تكون نصا منقولا ؛ وبهذا ، أغلقت هذه العقلانية باب تحصيل الأدلة