والانطباق هو الانتظام الموجّه للتمكنات العملية .
وعلى الجملة ، تتأسس عقلانية النظام العلمي - التقني للعالم على تحصيل القدرات الإمكانية والتمكنية للترويض والتجريب ، طلبا للسيادة على الكون التي تجلت في هذا النظام بمظاهر ثلاثة : أحدها مظهر التنبؤ الذي تكسبه عقلانية النظم ويمكّن من سلطان السطوة ؛ والثاني مظهر التحكم الذي تكسبه عقلانية التنظيم ويمكّن من سلطان البأس ؛ والثالث مظهر التصرف الذي تكسبه عقلانية الانتظام ويمكّن من سلطان البطش .
وإذا كان الأصل في إقامة هذه السيادات الثلاث للنظام العلمي - التقني هو القدرات الإجرائية للترويض والتجريب ، لزم أن ينزل كل ما لا يمكن ترويضه ولا تجريبه منزلة العائق الذي يضر بهذه السيادات ؛ وحتى تبقى هذه السيادات بمنأى عن الضرر الذي يأتيها من هذا الجانب ، وتواصل توسعها من غير تعثر ولا توتر ، وجب دفع كل ما ظهر خروجه عن نطاق الحساب والتجربة ؛ ولا شيء يبدو أبعد في الامتناع عن معايير الترويض والتجريب من الأخلاق ذات الأصل الديني ، وعندئذ لا عجب أن تقرّر عقلانية النظام العلمي - التقني في طلبها لكمال السيادة أن تقطع الصلة بهذه الأخلاق ، مانعة تأثير مضامينها فيما أعدته من موضوعات ونفاذ مسالكها فيما سطّرته من مناهج .
وقد تقدم أن للأخلاق الدينية مستويين : مستوى أخلاق الموعظة أو الأخلاق المسدّدة ، وهي التي تكون ثمرة الأخذ بالمقاصد النافعة ، ومستوى أخلاق الحكمة أو الأخلاق المؤيّدة ، وهي التي تكون ثمرة الأخذ بالمقاصد النافعة والوسائل الناجعة معا ، فتكون أخلاق الحكمة أخص من أخلاق الموعظة ، بحيث يصح أن أخلاق الحكمة هي أخلاق موعظة ، لكن ليس يصح أن أخلاق الموعظة هي أخلاق حكمة ؛ ومن المسلّم به أن لهذه الأخلاق بمستوييها : التسديدي ( أو الموعظي ) والتأييدي ( أو الحكمي ) أصلين اثنين هما : " الاشتغال " و " الاعتبار " ؛ ولا يخفى أن " الاشتغال " في سياق هذه الأخلاق هو الدخول في " العمل الحي " ، والعمل الحي هو ما كان من الأفعال - سواء معاشيا أو معاديا - يحمل دلالة تعبدية ؛ كما لا يخفى أن " الاعتبار " ، في هذا السياق ، هو الأخذ ب " النظر الحي " ، والنظر الحي هو ما كان من البحث في المكوّنات ( بتشديد الواو المفتوحة ) موجّها بقصد التعرف على المكوّن ( بتشديد الواو المكسورة ) ، أفعالا وأوصافا ؛ وواضح أن " الاشتغال " و " الاعتبار "
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 118
مساهمون: طه عبد الرحمن
ص١١٨