تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
" عقلانية التنظيم " « 11 » . 1 . 1 . 3 . سيادة التصرف وسلطان البطش : اعلم أن المظهر الثالث الذي تتجلى به السيادة المقوّمة للنظام العلمي - التقني هو الخروج من مرتبة التنسيق الخارجي لآفاق الإمكان إلى مرتبة التنسيق الداخلي لهذه الآفاق - أو قل ، باصطلاحنا ، مرتبة " انتساق " الإمكانات « 12 » - وأيضا الخروج من درجة التطبيق الغيري « 13 » لأبعاد التمكن إلى درجة التطبيق الذاتي لهذه الأبعاد - أو قل ، باصطلاحنا ، درجة " انطباق " التمكنات ؛ فالمقصود بالانتساق هو أن تتولى الإمكانات تصحيح بعضها البعض طلبا للاندماج فيما بينها ، والمقصود بالانطباق هو أن تتولى التمكنات توجيه بعضها البعض حفظا للتوازن المطلوب فيما بينها ؛ وقد نستعمل مصطلح " التصرف " « 14 » للدلالة على انتساق الإمكان النظري وانطباق التمكن العملي ؛ فلا يسود العاقل سيادة تصرف حتى يكون قادرا على أن يجعل الإمكانات تنتسق فيما بينها والتمكنات تنطبق فيما بينها ، فيكون التصرف مورّثا لنوع خاص من القوة نسميه " البطش " فالبطش إذن هو القوة المتجلية في انتساق الإمكانات النظرية وانطباق التمكنات العملية « 15 » . ولما كان انتساق الإمكان وانطباق التمكن هما ركنا التصرف ، جاز لنا أن نطلق على عقلانية النظام العلمي - التقني في مظهرها السيادي الثالث - وهو التصرف - اسم عقلانية " الانتظام " « 16 » ، فيكون الانتساق هو الانتظام المصحّح للإمكانات النظرية
هامش
( 11 ) يفيد لفظ " التنظيم " ، مضمونا ، معنى " التنسيق " ، ويفيد بصيغة " التفعيل " التي جاء عليها معنى " تكثير الفعل " أو " تشديده " وهو معنى مندرج تحت مدلول التطبيق . ( 12 ) نستعمل لفظ " انتسق " بوصفه فعل مطاوعة من " وسق " ، أي ضم وجمع ؛ وتأتي أهمية فعل المطاوعة عندنا من كونه فعلا انعكاسيا ، أي يتعلق بما يحدث داخل الذات ، وهو المعنى المطلوب لنا في هذا الموضع . ( 13 ) نستعمل هنا لفظ " الغيري " للدلالة على الوصف الذي تختص به الأفعال التي تنسب إلى ما سوى الذات ؛ فضده إذن هو " الذاتي " ، والمقصود هنا ب " التطبيق الغيري " هو التطبيق الذي يكون منصبا على أشياء أخرى غير التطبيق ذاته . ( 14 ) نصطلح على لفظ " التصرف " للدلالة على أعلى سيادة يحصّلها النظام التقني لما يفيده هذا اللفظ في الاستعمال العادي من معنى التحكم في الأشياء التي تبدو فوق الطاقة المباشرة والقوة الحاضرة للإنسان مثل " التصرف في الرياح وفي السحاب " ( تدبر الآية الكريمة 164 من سورة البقرة ) . ( 15 ) حسبنا مثالا على التصرفات الاحتواء الإعلامي الذي تمارسه وسائل الاتصال والمراقبة الشاملة التي تمارسها وسائل الحساب . ( 16 ) نستثمر أيضا في لفظ " الانتظام " دلالته على معنى المطاوعة الذي يجعل منه فعلا عائدا على الذات .