يحصّل الإنسان الحديث نوعين متكاملين من القدرات ، نسميهما على التوالي :
" الإمكانات " و " التمكنات " « 6 » .
أما الإمكان ، فهو الأفق المعرفي غير المسبوق الذي يفتحه كل إجراء بسبب ما ينشأ عنه من جديد الفوائد في مجال التدليل والتنظير ؛ وأما التمكن ، فهو الباب العملي غير المعهود الذي يفتحه كل إجراء بسبب ما ينتج عنه من جديد الآثار في مجال التطبيق والتغيير ، فيكون إذن الفرق بين " الإمكان " و " التمكن " هو أن للإمكان تعلقا بالنظر ، بينما للتمكن تعلق بالعمل .
ومتى تبينت لنا آفاق الإمكان النظري الواسعة وأبعاد التمكن العملي الشاسعة التي تمدنا بها مختلف إجراءات التجريب والترويض ، أدركنا كيف تتأسس عقلانية النظام العلمي - التقني الحديث على " مبدأ السيادة " ؛ فمقتضى السيادة في هذا النظام هو أن يتولى الإنسان آفاق الإمكان التي تنفتح في النظر وأيضا أبعاد التمكن التي تبرز في العمل ؛ وليست لهذه السيادة غاية تقف عندها ولا نهاية لا تجد لها ازديادا بعدها ، لأن تمام السيادة الذي تطلبه عقلانية النظام العلمي - التقني الحديث هو بالذات أن يجعل الإنسان الكل ممكنا ويتمكن من ناصية الكل ، فكيف يتم إذن هذا التولّي المزدوج للإمكان النظري والتمكن العملي من لدن الإنسان ، والذي منشؤه طلب هذا النظام العلمي - التقني للسيادة الكلية ؟
1 - سيادات النظام العلمي - التقني والانفصال عن الأخلاق الدينية
1 . 1 . تحديد السيادات الثلاث
1 . 1 . 1 . سيادة التنبؤ وسلطان السطوة : اعلم أن المظهر الأول الذي تتجلى به السيادة المقوّمة للنظام العلمي - التقني الحديث هو بالذات إرادة ضبط الإمكان النظري من حيث آفاقه وضبط التمكن العملي من حيث أبعاده ، وليس يخفى أن عملية ضبط الإمكان والتمكن هي التي نصب هذا النظام لفظ " التنبؤ " للدلالة
هامش
( 6 ) نريد أن ننبه هنا إلى أننا سوف نجتهد قدر الإمكان خلال هذا البحث في وضع جهازنا من المفاهيم في استقلال عن نمط المصطلحات الأجنبية ، وذلك باستثمار خصائص اللغة العربية في التعبير والتبليغ وكذا بالعمل بالفروق التي تختص بها الدلالات في هذه اللغة ؛ فمصطلح " الإمكان " و " التمكن " من أصل اشتقاقي واحد ، لكن " التمكن " أبلغ في إفادة المدلول العملي للقدرة ، فضلا عن نزوله منزلة الغاية من الإمكان النازل منزلة الوسيلة ، بحيث يجوز الكلام عن " تمكن الإمكان " باعتباره ما يترتب على الإمكان من احتمالات التحقق .